كانت طريقنا محفوفة بالشموع المزهرة حين شاركت مئات العرب والأجانب ليلة الجمعة الماضية ، متعة الولوج الهادئ إلى خزنة البترا ، بطقس الصمت المثير ، ضمن برنامج مبتكر يسمى (البترا في الليل). الشموع المغروسة برمل ناعم في أكياس ورقية ، كانت مثل قناديل وادعة ترشدنا ، وتحدد لنا درباً متعرجاً ، سيطول مباغتاً ، لأكثر من ألفي متر بين الصخر الضيق.

في حضرة هذا البرنامج المدهش ، سيكون محظوراً عليك الكلام ، فملزم أنت بصمت لذيذ: كي تصغي إلى بوح هذه المدينة المعجزة ، المغلفة بالخفر والإختفاء والدلال ، إنها تشي بالكثير لمن يجيد الإصغاء ، وتفصح لمن أعاد البصر كرتين أو أكثر ، تفصح عن تاريخ مجيد طبع ايقونته ورموزه عميقاً في صلافة هذا الصخر العنيد البعيد.

لا شيء يسمع في البرنامج سوى وقع نعالنا الخفيفة ، فكأننا نمشي على ناعم الريش ، أو كأننا نترصد جنودا كامنين يترقبون الطريق ، فحتى الوسوسة ممنوعة ، سوى وسوسة ذلك القمر المشاغب شبه البدري ، الذي ظل ينسكب فوقنا تاركا نوره الفضي على سجيته: ليفضح جماليات مكان لم نعتد أن نقرأه ليلاً بمثل هذه اللغة لغة التأمل ولغة الصمت والإصغاء. هنا بترا.

وصلنا ساحة الخزنة ، وافترشنا سجادة الرمل ، مشدوهين إلى عازف ربابة ملثم ، شق عباءة الظلمة ، وخرج من بين الأعمدة بألحان تستنطق روح أجدادنا الأنباط وعنفوانهم وطول صبرهم وصلابتهم وحنكتهم. فكم تبدو مثيرة وعظيمة هذه الربابة البسيطة ، فبوتر وحيد مصنوع من ذيل حصان ، تستطيع أن تبوح لنا كل هذا الصهيل ، وبكل هذا العنفوان ، وأن تنزل علينا كل هذه العذوبة والرخاء.

من بعد ذلك سيشق ستر العتمة المخدوشة بشموع مبثوثة في أرجاء المكان ، رجل يضرب على الشبابة (أداة تشبه الناي) ، كانت بعض ألحانه تشبه نوحَ بعيدْ ، وبعضه الآخر سيخال إليك أن الصخور حول الخزنة ستنهمك في رقصة بدوية ساحرة.

في نهاية البرنامج تعرفت إلى سائح سويسري مشارك ، وتحدثنا قليلاً ، فصدمني حين قال بأنه تعمد أن يرى بترا ليلاً أولاً ، كي يخفف من صدمة تلك الدهشة ، التي سيتلقاها فيما لو واجه الخزنة الوردية في شمس النهار. ثم قال: هذه البترا ، كنز عظيم عظيم ، ولكن ليس كل الناس يحسنون إستثمار كنوزهم،،،،،،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية