كانت بعض ربات البيوت يحتفظن بقطعة كبيرة من الفحم في الثلاجة ، وهو ما كان يثير فضولنا وتساؤلنا ، عن سبب هذه الحركة السوداء في عرف طفولتنا البيضاء ، لكننا عرفنا حين كبرنا ، أن للفحم قدرة عجيبة وخارقة على امتصاص كل الروائح غير المرغوب فيها ، خصوصاً رائحة الفراغ والخواء،.
وفيما مضى كانت الثلاجات باروميتراً صادقاً وحقيقياً يقيس ويستشعر مدى رفاهية العائلات ، وكانت تمثل قيمة اجتماعية عالية تماماً كالتلفاز والغسالة والسشوار ، وعليه فأن السيدة ثلاجة كانت (تُصمد) كالعروس الزاهية ، في صدر غرفة الضيف ، بقصد المباهاة والمفاخرة و(المجاكرة) ، فهي منظر و(فرجة) قبل أن تكون حاجة،.
والثلاجات درجات أيضاً كالبشر ، تتفاوت وتتباين فيما بينها: فثلاجة العروسين ، خصوصاً في مطلع شهر عسلهما ، تكون متخمة بأطايب الطعام والشراب ، وخاصة بنوادر الفاكهة ، وفاخر المكسرات والموالح ، ولكن هذه الثلاجة ذاتها ، قد يزري بها الدهر وتنخفض موجوادتها طردياً مع ازدياد عدد العيال ، حتى أنها ستغدو ذات فقر مجرد خزانة بالية لا يؤبه بها،،.
قبل أيام سمعت أن أحدهم باع الأبواب الداخلية في بيته ، وأنه لم يعد بحاجة لثلاجة، ، بعد أن تحولت إلى خزانة ، وينوي أن يبيعها إن وجد شارياً ، ثم أن بطون الأولاد ثلاجة مائة قدم ، على حد قوله ، فهم كالجراد المنهمر والمنتشر،،. ولن أتعجب إن صرخ قائلا: تصوّروا يا جماعة ، حتى رأس الملفوف لا يصمد في ثلاجتنا حتى الصباح ، (فالعرصات) ، ويعني أولاده ، يسملونه سملاً بطريقة شيطانية ، ويبقون الغلاف الخارجي صامداً على حاله للتمويه والخديعة ، جيل ملعون حرسي ، ويا عمي قالوها من زمان: العيال سوس المال ، قال ثلاجة قال،.
وإذا كان ذلك الرجل خرج طوره وصرخ شاكياً قصته مع راس الملفوف المسمول ، فهناك بيوت مستورة ، لا تنبئ عن ذاتها ، تؤثر الجوع بصمت ، لا تتسول ولا تتململ ، ولا تبعث بعرائض واستدعاءات إلى المسؤولين ، بيوت لا يصلها مندوب صحيفة ، أو موظفة وزارة التنمية الاجتماعية ، بيوت تحسبهم أغنياء من التعفف ، بل ويوثرون على أنفسهم وبهم خصاصة ، بيوت لا يوجد بها أبواب داخلية ، قد شرعت عن سبق إصرار وتهكم بتحويل ثلاجاتها إلى خزائن خاوية ، إلا من بعض الخواء ، حتى أن بعض الفحم قد قضمه جوع الأولاد ، على وقع رائحة شواء قريب،.
المراجع
Text
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية