ستلقي حكاية طريفة من الأدب الصوفي بظلالها على معنى الصيام ، وأبعاده ، وفحواه ، وستؤشر على معنى أن تمتلك وتحوز ، ثم تزهد وترتفع بنفسك ، فأنت ترى بين يديك طعاماً ، ولا تتناوله بملء إرادتك ، فقيمة الصوم أن تزهد وترتقي ، لا أن تتفاقم شهوتك لمزيد الملذات.
جاء تلميذ إلى شيخه الإسكافي في زحمة السوق ، وقد غالبه إقبال نفسه على الدنيا ، مع شوق روحه إلى مقامات العلا والزهد ، مثل المقامات التي بلغها شيخه ، التي تجري على يديه كرامات. الشيخ كان مشغولاً بتصليح ورتق أحذية الناس المنهكة بالسعي في مناكب الرزق. وكان مذهولاً عن متطلبات روح تلميذه ، إو مريده ، حسب المصطلحات الصوفية.
لكن نظرة صغيرة منه عرفته خلجات نفس هذا المريد ، وما يعتصر فيها ، فقال له بعد أن أوقف عمل يده: لقد علمتك الطريق إلى الله ، وهو طريق لمن صدق ، لا لمن سبق ، وكما تجتهد الناس في الأسواق ، وتلهث وراء الشهوات ، عليك أن تجتهد لتصل مقامات العلا ، التي تتوق إليها.
فهم المريد مرامي شيخه ، فهاجر إلى الله ، بعيداً عن زحمة الأسواق ، فاغتنت روحه ونافت في السماوات ، وتحولت الصحراء في عينه ذهباً. وذات ليلة تمتم مزهواً: من أغنى مني؟،. لماذا يقتلون أنفسهم في السعي وراء الذهب ، وكل شيء ثمين موجود في تراب نفوسهم؟،.
في الصباح قرر العودة لشيخه ، فهو قد بلغ المراد ، وعند نبع ماء متدفق خال روحه صافية. فنظر ووجد جرة مكسورة ، ذكرته بجسده الذي كان منهكاً ، قبل أن ينتصر عليه ، فقال في نفسه سأملأ هذه الجرة المشقوقة متضرعاً لربي أن يحفظ الماء فيها ، ولا يريقه ، فكان له ما طلب.
حمل جرته إلى السوق ، وشعر بالغربة ، حين وقف باب دكان شيخه مفتخراً بالجرة ، التي تدل إلى مقام ارتقى في هجرته إلى الله ، وبعد أن حدث شيخه عن أحواله ، كانت عينه على جرته وكأنه يقول: انظر يا شيخي ، قد صرت صاحب كرامة. الشيخ يدرك أن التقلب صفة القلوب ، وأن الروح كالطير في الأعالي قد تغويه دودة صغيرة على الأرض ، فينحدر طمعا فيها. وفي هذه اللحظة دخلت سيدة تريد تصليح حذائها ، فتشمرت عن بعض ساقها ، فيسترق المريد نظرة لزينة وبياض تلك الساق ، عندها يسيل الماء من شق الجرة.
لم تعد له كرامة ، وها هو يعود لاهثاً في الزحام وراء لذة عابرة ، مثله مثل كل من انقطع عنهم. تبسم الشيخ بمرارة ، وقال: يا ولدي العبادة بين السيقان وليست بين الوديان،،. وسلامتكم.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية