ذات جوع ومسغبة صعد واحد من المجانين الظرفاء إلى شرفة مئذنة الجامع العالية: كي يرى الناس بحجم صغير ، أو بحجمهم الحقيقي الطبيعي، ، لكنه ما ان وقف من شرفة المئذنة ونظر متأملاً ، حتى اعتقده الناس أنه يتحفز للانتحار ، بقذف نفسه إلى الأرض،.
ولأن الحياة غالية جداً في هذه القرية العامرة ، وأغلى من علبة كبريت بكامل عيدانها ، فقد دخلوا معه في مفاوضات ومساومات ومناقشات حادة ، كان هو الطرف الأقوى فيها ، ليثنوه عن رمي نفسه ، فوعدوه وعوداً كثيرة ومثيرة.
كانت طلبات هذا المجنون تنصبُّ على تحسين رغيف الخبز ، حجماً واتساعاً وشكلاً وسعراً ، وشدد على أن يضاف للرغيف كل أنواع الفيتامينات والبروتينات والأنزيمات ،.
مجنون آخر في ذات القرية يسمى (أبو عقل ونص) ، وهو صاحب نظرية أثيرة في أوضاع الناس وأوجاعهم ، فالحالة دائماً إلى الوراء والأمور إلى تدهور وخراب: (فالشهر الذي كنَّا ننوي أن نشتري فيه حذاءً ، بعنا له الجوارب: كي نأكل)، ، ولهذا قرر أن يظل حافياً في شوارع القرية الملساء،،. مجنون ثالث أذّن في الناس أن تجمعوا ، ثم اعتلى عموداً للهاتف ، وسط البلدة ، وخطب مزبًّداً وصارخاً ومحتجاً ، وعقب خطبته العصماء البكماء ، أعلن بالفم الملآن ، بأنه واحتجاجاً على ارتفاع الأسعار الأخيرة ، قرّر أن يبيع إحدى كليتيه ، ليأكل بها ، قراراً بائناً: ومالها العيشة بكلية واحدة،.
كلّ المصابين بالفشل الكلوي ، الراغبين بالتخلص من عناء غسل الكلى ، تجمعوا في بيته ، وكل قدم له سعراً أفضل من الآخر ، فاتفق مع أحدهم ، وفي اليوم المحدد لعملية نقل الكلية ، تفاجأ الناس بمجنونهم العاقل يعتلي ذات العمود ، ويطلق خطبةً نووية جديدة ، أعلن في نهايتها أنه عَدَلَ عن بيع كليته ، فهذا لا يكفي أبداً ، فالأسعار تركب صاروخاً نووياً ، ولكنه قرر أن يبع الكلية الثانية ، والثالثة إذا وجدت ، مع القلب بحجراته الأربعة ، والطحال والبنكرياس ، والزائدة الدودية ، وغير الدودية، ، أي كل الطحاويش ، قراراً بائناً لا رجعة عنه ، وخلي الحكومة والتجار يرضوا ويحنوا أياديهم.
هذا وقيل ، أن جل سكان القرية ما زالوا يسيرون حتى هذا اليوم بلا أحشاء وقلوب وكلاوي ، ووحدها الأسعار لا تزداد إلا سعاراً،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية