عندما كنا ننصب فخاخنا الصغيرة للعصافير تحت الأشجار في البساتين ، كانت لا تنتهي مهمتنا بوضع دودة صغيرة تتلوى على رأس الفخ كطعم شهي يغري ، بل كان علينا أن نلوذ بحضن صخرة قريبة ، ثم نأخذ بالتدريج لتلك العصافير الحذرة الهلوعة ، أي أن نصفر لها صفيراً حنوناً وناعماً ومموسقاً بأفواهنا ، وكأننا نحثها على القدوم لفخنا الصغير المسكين،.

والصفير في الصغر كالنقش في الحجر، ، أي من فاته أن يتقن مهارة التصفير في صغره ، فلن يتعلمها في كبره ، حتى لو حاول وسال لعابه مرات ومرات، ، (وأرجو أن لا تتركوا المقال للتجريب). ولهذا كان الواحد منا ، وقبل أن يتعلم رسم اسمه بالفحم على الجدران وبوابات الجيران ، كان يتعلم الصفير بالأصابع ، فطفولة بلا صفير كانت تبدو رخوة وبلا طعم ، فبوساطة إصبعين ندخلهما في أفواهنا ، ثم نزفر زفيراً قوياً ، فينبعث الصفير مموسقاً منغماً،.

وفي الصفير مآرب شتى ، فما أن تصفر لكلبكم الخانع في ظل شجرة حتى يأتيك كجناح الريح ، ليفتك بقطة الجيران التي عاثت فساداً بحوض نعناعكم ، أو أنك تصفر من شق الشباك صفيراً طرياً ، كي تصعد حبيبتك الصغيرة إلى سطح دارهم: متحججة بتفقد جفاف حبل الغسيل ، فتلوح لها بيدك ، وكأنك ترفع خصلة شعر غطت كامل جبهتك: فتعود إليك الروح بعد أن تبتسم لك ، وتعض عليك إصبعها تحذيراً ، قبل أن تهرب كقطة لذيذة ، لتخبر أمها أنه لم يحن بعد قطاف الثياب،.

وكنا إذا ما تعثرت أقدامنا وأدميت ، نصفر صفيرا طويلاً مع قليل من الرقص ، نفرغ به ألمنا ووجعنا ، وهو كالصفير الذي نواجه به الكاذبين الكبار،، ، فعندما يقصفك أحدهم بكذبة أرض جو ، فلن تفعل شيئاً سوى أن تضم شفتيك كبوق صغير ، وتصفر لكذبته صفيراً طويلاً يشبه العويل ، وكأنك تقول له: كذااااااااااااااااااااب،،.

بعض الأردنيين الذين اعتادوا على المساومة قبل الشراء ، صاروا يتخذون وسيلة طريفة لتجنب صدمة الأسعار الرمضانية ، فهم يطلبون الشيء من التاجر ، وحين معرفة سعره الجديد يهربون كصاروخ نفاث ، تطبيقاً لمبدأ ثلثين المراجل: أطلب واهرب،.

لكن سيبقى بلا معنى أن يصفر أحد منا لما آلت إليه الأسعار ، فكل شيء مصدق عن اشتياطها واستعارها ، بل تحولنا بشكل أو بآخر إلى أباريق صفير غلي الماء ، بفارق طفيف هو أن الأباريق تصفر عند درجة غليان الماء ، ونحن سنبقى في صفير وصفير: نصفر للأسعار ، ونصفر لكذب الكاذبين ، ونصفر لسقوط عصفور قلوبنا ، بفخ هذه الحياة.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية