بعد أن ينتصف أيلول ، هذا الشهر المجدول بنسمات الخريف ، الممزوج بقبلات البرد الشفيف. بعد أن ينتصف أيلول يعتدل مزاج الأشياء ، فتصبح الغيوم أقرب إلى رؤوسنا ، وأكثر حنواً علينا حين تظللنا بناعم ظلها. في أيلول تمسي الشرفات فناجين رائقة لقهوتنا العابقة ، ويصبح الندى عطراً لصباحاتنا الأولى. وبعد منتصف أيلول يغدو الرمان أطيب وأشهى،.
قالوا إن الزهرة أو النوارة لا ترى الثمرة أبداً ، ولكنهم لم يشعروا إن هذه الزهرة تترك كل فتنتها وجمالها وعبقها وسحرها في ثمرتها القادمة. فهل اشتبكتم ذات نيسان أو أيار مع نوار الرمان ، الذي يسمى الجلنار (وهي كلمة فارسية تعني زهرة النار)؟، ، هل اشتبكتم معه اشتباك تأمل ومراقبة ودهشة؟، ، فرأيتم كيف ستركت تلك النوارة الناعسة فتنتها في ثمر الرمان الريان ذات نضوج. فقد يكون أن (الجُلنار) مرايا لخدود الجميلات؟،.
وللمرأة الجميلة في الرمان أشياء وأشياء ، فإذا أرادوا مدح طول المرأة وهيفها ، أو نضارتها يقولون (مطرق رمان،،) ، والمطرق هو غصن الرمان المتزن المستقيم اللبلاب الرجراج ، وبهذه المطارق ، كانت أمهاتنا يطرقن و(ينفشن) الصوف المفرغ من الوسائد والفرشات: ليعدنه إلى سابق عهده ليناً طرياً مهيئاً لكثير من أحلامنا السرية اليانعة. وهي ذات المطارق التي تستخدم كأقوى أسلحة فتاكة ، بيد معلم أو أب ، والويل لمن يجرب لذعاتها،.
حينما ينتصف أيلول الجميل يدخل الرمان مرحلة نضجه الحقيقية الفعلية ، حيث ندخل فترة (الصليب) ، والصليب هو حالة طقسية عند الفلاحين ، يستشعرون بها نضوج الرمان بشكل قاطع ، وهو ميقات قبطي قديم ، وهذا مقنع برأيي ، فنحن نهرول نحو الخريف حيث الرطوبة التي تسري في الأرض ، وتفعل فعلها في تعديل أمزجة الرمان والإنسان،.
على طريق أربد عمان يتكاثر باعة الرمان الذين يعرضون بضاعتهم اسلوب جاذب للعين. فأن ترى رماناً منضداً ، بهيئة أهرامات سيجبرك الأمر أن توقف سياراتك ، وتترجل للشراء. وكل يقول عن رمانه: هذا رمان الريان ، أي رمان وادي الريان ، أو رمان راجب ـ عجلون ، أو رمان كتم ، أو وادي زقلاب ، أو رمان عرجان ، بعد أن شبع من نبع (عين بيضا). ومع هذا سيعجبني في كل عام أن أشتبك مع شجرة الرمانة: يداً بيد ، وحضنا لحضن ، كي أجني ثمرها الداني.
ولمن فاته أن يتمتع بحبات الندى العالقة بخجل على خدود الجُلنار في أيار كدموع شهدت فراق ليلة سرقها منا الدهر ، ونحن لا نشعر بذاك ولا ندري،، ، إن فاتك هذا المنظر الخلاب: فلربما حين (تفرط) حبة رمان بكل أناقتها وأبراجها وشحمها ، وتتأمل ياقوتها بكامل بهائه ستغني: فرط الرمان خدوده،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور