إن كنت معلماً: فستنسى كثيراً من وجوه تلاميذك، الذين يكبرون وتتغير سحناتهم ويوخط الشيب مفارقهم، أو يجتاح الصلع رؤوسهم. ولكنك مهما تفاقم فيك العمر، وأخذتك الدنيا في مناكبها: فلن تغيب عن ذهنك صورة معلم ترك أثراً طيباً في نفسك ذات درس. فكم من أناس يمرون في شوارع حياتنا، ولكنهم يذهبون درج النسيان، وتبقى أبداً صورة المعلم خالدة على جدران الذاكرة. صباح الخير أستاذ سعيد الربضي.
المعلم المكافح الذي لم ترم أصابعه أصابع الطبشور حتى الآن. الأستاذ سعيد الربضي لم يترك أثراً واحداً في نفسي وحدي، بل ترك آثاراً في نفوس جيل من أبناء بلدتي وزملائي، وسجل بصمة واضحة ما زلنا نستذكرها كلما التقينا. كنا نحسه يعطي ويعلم بصدق وأمانة. فتحية احترام إلى رفيق الخريطة والسبورة، في يوم المعلم العالمي.
حتماً لا بد أن يكون في ذاكرة كل واحد منا معلم يتذكره، ويجله ويحترمه، ويقدر صنيعه، معلم منحنا فيض المحبة والاهتمام، وعمل بجد وإخلاص ومثابرة. معلم تشعر بأبوته الطافحة العامرة بالمحبة، ولهذا كلما ردنا الحنين إلى المدرسة وأيامها وتفاصيلها: نستذكره بكل إكبار ووقار، ونستذكر مواقفه وغيرته على مستقبلنا. والأمر ينسحب على الكثير منكم. فلا أجل من أن تتذكر الذين أخذوا بايدينا ذات مدرسة.
عندما كان الربضي يدخل الصف متأبطاً خريطة متآكلة للوطن العربي، ويفرشها على السبورة، ويبدأ بالشرح عن اتفاقية سايكس بيكو الغادرة، كنت ألمح دمعة بحجم القهر تتكور في عينيه، ثم يعلو صوته محشرجاً يطالبنا أن لا نرى هذه الخطوط التي قسمت بلاد العرب أوطاني وأن لا نكترث بها: إنها صنيعة الاستعمار يا أولاد،.
أو حين كان يتحدث عن الانتفاضة الباسلة وأطفالها الاشاوس وحجارتهم الشجاعة، كنت أشعر بدمه يغلي في عروقه، فتنتقل إلينا العدوى، فتظهر على شكل كتابات، أو كلمات صباحية مشحونة بالعنفوان. سعيد الربضي كان يربينا ويعلمنا أن المدرسة، ليس كتاباً فقط. بل مشاعر وأحاسيس ومحبة وقصص تراب وتعب في الكروم وعطاء دائم.
ربما كان من المتوقع أن نكتب عن نقابة المعلمين، وأحقيتها بالولادة في يوم المعلم، ولكني قبل هذا أردت أن أستذكر معلماً ترك في نفوسنا شيئاً، فتشيع بيننا روح التقدير والعرفان والمحبة والوفاء ورد الجميل، فبهذا تكبر الأمم وتتقدم. فسلام على من بددوا ببياض الطباشير ظلمات الجهل. وصباحك سعيد أستاذ سعيد،.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية