لقنونا ، في أول دروس الوحدة ، وأبجدياتها ، أن يداً واحدة لا تصفًّق ، أبداً. لكنهم لم يقولوا إن هذه اليد يمكنها أن تصفع صفعاً عالي النغم ، حامي الوجع ، وتستطيع ، أيضاً ، أن تلكم لكمات قاضية ، وتقدر أن تسمل كرات العيون من محاجرها ، أو تخنق أوداج الأعناق حدّ الإزرقاق ، ونسوا أن يقولوا إن يداً واحدة قد تعزف على العود لحناً يتغلغل في جنبات النفس ، ويترك أثراً لا ينسى.

العازف العراقي المبدع المجدد ، نصير شمّا ، لم يضف للعود وتراً ثامناً ، فحسب ، بل جعل لهذه الآلة القريبة من قفص القلب حضوراً يلامس شغاف الناس ، ووجدانهم الشعبي ، ويرتقي بأحلامهم ، حتى عندما تتعطل لغة الأحلام. فذات يوم جاءه صديقه ، وقد صار أكتع ، أي فقد يده بفم الحرب الشرسة ، مع إيران ، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، وهزه أن هذا الصديق حشرج باكياً: "إنني لن أعزف على العود بعد الآن يا صديقي". وهنا أقسم نصير شما ألا يعزف ثانية إذا لم يؤلف مقطوعة موسيقية عميقة تعزف بيد واحدة. وبالفعل ولدت مقطوعة "قصة حب شرقية" ، التي تختصر بوحاً كثيراً ، وشجناً شفيفاً.

لم يلفتني أن عشرات ، بل مئات الفنانين ، ومنهم من نحسبهم كباراً.. لم يلفتني أنهم لم يقفوا وقوفاً يليق ، إلى جوار أمتهم ، في محنها وأوجاعها ، بفنهم ، فلم يقفوا مع العراق ، أو غزة ، أو لبنان ، ومع غيرها من جراحنا مترامية الأطراف ، فهؤلاء لا يقيسون الأشياء ، إلا بميزان الربح والخسارة ، وتذاكر الحفلات ، ولا يأبهون إلا بتركيم الأرصدة ، وأرنبتها في البنوك ، ولهذا زاد إعجابي بالفنان نصير شما ، عندما أبدع أغنيته الكورالية المشحونة بالصدق والبساطة ، وعلى العود فقط ، وحيّا ، فيها ، صمود أهلنا في غزة ، بمحنتها ، قبل سنتين ، بكلمات لا تنسى: "لغزة من روحي ودمي ، لغزة قبلة وألف قبلة. لطفلة غفت عيناها بحضن أمها. وعند الفجر ماتت عينها".

أشعر أن على الفنن وأهله ، أن يواكبوا جراحنا وأوجاعنا ، وأشعر أن قصة حب شرقية ، مثلاً ، لا تكفي ،

في هذا الزمن الأكتع ، فنحن لم نسمع إلا لحن الأنين ، وحشرجة بقايا الروح ، حين تغرغر دمعة في مقلة أم فقدت بناتها ، لحظة غارة ، ولم نسمع إلا همهمات طفلة دفن أخوتها في الركام ، وقامت تبكي على رأس لعبتها المشجوج. الفن عليه أن يخلد الأشياء ، ويبقينا على قيد الذاكرة.

أستاذ نصير شما. شكراً لإبداعاتك الكبيرة ، فأنت ما قصرت ، منذ لحنك الإنساني الخالد ، "ملجأ العامرية" ، الذي صنع فجيعته الأميركيون ، بصواريخهم الخارقة للجدران المسلحة.. ما قصرت ، أيها المبدع ، ولكن سيبقى علينا أن نعود إلى فلسفة العود دوماً ، وإلى قصة ولادة "قصة حب شرقية" ، علنا نحس أن أوان الأيادي العربية قد آن لكي تكون يداً واحدة تبدع لحناً يهز العالم بصليات البارود. فهذا هو اللحن الوحيد الذي تفهمه إسرائيل ، وتفهم مقامه وتقاسيمه.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية