دعونا نُسمًّي الأشياء بأحب أسمائها إلينا ، فالغيوم الماخرة عباب هذه السماء ليست إلا رقصة نشوة ، أو لمة عرسْ آن أوانه ، فدعونا نقول عن ذلك المطر الأول الذي دهمنا بغتة ، بأنه قبلة بكر بين أرض عطشى وسماء ظلت تتلوع شوقاً منذ حنين: هو المطر الأول أيتها المساءات الموشحة بالبركة ، ذلك العناق المحموم الموشى بلهفة الغائبين.. فأهلاً بمطر تشرين الذين يطربني وأنا منهمك في كتابة هذا المقال،.

لربما لم يفتكم أن تتنفسوا هواء متواشجاً غباراً وماءً عقب اللقاء الأول السريع؟؟، ، فمن منا لم تدوخة تلك البهجة العارمة ، إذ تجللنا رائحة المطر الجديد؟، ، فكم تمنينا ذات طفولة وخريف ، أن تبزغ لنا أجنحة النشوة: لنطير ونعصر قطن السماء الملبود ونمص ماءه المكنوز؟، ، فكم نتوق للمطر ورائحة اللقاء بعد صيف ساطنا بقيظه ولهيبه ، فلا شيء يطفئ لهفتنا إلا دموع الاشتياق ، إنه مطر التشرين أيها الأصدقاء يقرع أبوابنا بأصابعه،،.

الفلاحون يسمون أول المطر(شتوة المساطيح) ، فهم كانوا إذا ما جادت السماء بباكورة نعمتها ، هبوا إلى الزبيب (العنب المجفف) والقطين المنشور والمسطوح على أسطح البيوت ، وجمعوه بسرعة كبيرة خوف أن يتلفه الماء المنهمر ، ولكنهم بهذه الشتوة الأولى يتوسمون خيراً بموسم طيب وقريب.

أيام كانت البركة على هذه الأرض ، كانت الدنيا توسم (أي تشبع مطراً) ، في نهايات أيلول وبدايات تشرين ، أما اليوم فقد تبدلت الأشياء غير الأشياء ، ففد كان لي صديق ، يلومنا أننا نتوكل دائماً على الله أكثر مما ينبغي،، ، فأين أنت أيها الصديق؟، ، إننا تبدلنا وصرنا لا نتوكل على الله إلا قليلا،،.

الفلاح فينا كان أكثر اتصالاً وأكثر ثقةً بربه ، فقد كان يلقي حبه في التراب الجاف ، ويتوكل على ربه ، الذي لا ينسى أحداً من خلقه ، ففي بداية تشرين ، ورغم أن الأرض ما تزال تكنز حرارة الصيف في رحمها ، فقد كان الفلاحون يهرعون إلى حقولهم ، ويبذرون فيها القمح والشعير والفول والعدس.

كان الفلاح منهم يقول بعد أن يبذر البذار: رميت حبي وتوكلت على ربي، ، ثم يحرثون الأرض ، بكثير من الأمل ، فيتطاير الغبار ويتعفر الجو ، ولهذا كانت تسمى هذا الزراعة ( زراعة العفير) ، أي الزراعة في الأرض غير الممطورة بعد ، أو الجافة ، والقمح المزروع بهذه الطريقة يكون قوياً ، ويكون أكثر غلالاً ، إذا ما جادت السماء.

الأشياء لا تسمى بأسمائها في هذه الأيام ، ولا تؤخذ بنواياها ، فالواحد لا يلقي حبه في الأرض ، إلا إذا تأكد أن المطر سينزل لا محالة ، وبعد أن يمحص النشرات الجوية ، على كل الفضائيات ، وكأننا لا نتعامل مع رب كريم لا تضيع لديه الحوائج،.

قديماً ، كانت البركة عامرة في لقمتنا وحياتنا وأيامنا وهي اليوم منزوعة ، فيا رب ارحم،.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

ammonnews.net

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية