ما زالت تعشش في ذاكرتنا شجاعة الشاب العشريني (أشرف الخمايسة) ، الذي يعمل كنترول حافلة على خط المدينة الطبية الزرقاء حينما انقذ العام الماضي 23 مواطناً كانوا ركابها عندما فقدت كوابحها ، وبعدما قفز سائقها هارباً بحياته وتاركاً أمانته لمصيرهم المحتوم.

الناس تمتلك ذاكرة حديدية ، في مثل هذه المواقف ، وهم يستدعون حوادث مرت عليها سنوات ، كلما وقع حادث مشابه ليقارنوا ويفاضلوا ويحمدوا أو يذموا. فالناس تحفظ للشجاع قصته ، وتشيعها في السهرات والجلسات ، وكما قال لسان الحكمة (الناس أحاديث ، وإن استطعت أن تكون أحسن الناس حديثاً: فكن).

في عجلون ، نهاية الأسبوع أخذت المجزرة التي تسببت بها شاحنة دهمت بحمولتها الزائدة وسط المدينة ، فقتلت وجرحت العشرات ، وقلبت المشهد إلى صورة حرب. أخذت هذه الحادثة الناس من أجواء الانتخابات إلى استذكار مناقب البطولة والشجاعة التي من المفترض أن يتحلى بها كل من يقود شاحنة ، سيما إن انفلت من كوابحه.

سائق شاحنة الموت سارت فيه الأحاديث على نحو مغاير لشجاعة كنترول الحافلة ، فيقال: أنه فقد سيطرته قرب مثلث اشتفينا ، والذين يعرفون المنطقة يقدرون أن هناك ما يقرب الثلاثة كيلو مترات تفصلنا عن موقع الحادث. أي كان بإمكانه وبكل سهولة أن يوقف شاحنته أو يصدمها في جبل أو يهرب في شوارع فرعية كثيرة ، قبل أن يصل وسط المدينة ، لكنه توانى مفضلاً أن يكبح جماحها بمن قتلوا.

يتداول الناس خبر الافراج عن السائق بعد ليلتين من الحجز ، وهذا لا يهم فالكل يعرف ما حكم الذي يتسبب بمثل هذه المجازر ، لكن ما يهمنا أن قيمة الشجاعة واجبة في مثل هذه المواقف ، فهذا السائق أبلغ بهاتفه الدفاع المدني بفقدانه السيطرة على شاحنته ، ونصحوه ألا يصل بها إلى تجمع الناس. وتحدث شهود عيان بأنهم لوحوا له: كي يدهمها بطرف جبل أو كرم من الكروم التي على الطريق ، أو يهرب في شارع يماثل المهارب التي تهندس على الطرق المنحدرة لمثل هذا الحوادث.

نعلم أن الكلام في الفائت لا يقدم ولا يؤخر ، ولكننا به نثني على قيم البطولة والشجاعة والتضحية. فبها تعرف الصفات المعاكسة. البطولة أن تقدر حياة الآخرين ، وأن تدرك أن ارواحاً قد تزهق إن لم تتصرف بحكمة. وأن تدرك أن الشجاعة وأحاديثها تبقى في ذاكرة الناس طويلاً. ولهذا سنبقى نذكر الحادثة ، ونقول بحسرة: لو أن السائق تحلى بقليل من...

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور