شعوب (المايا) التي استوطنت القارة الأمريكية كانت تسمًّي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، دون مواربة أو مخاتلة أو تورية ، فقد كانوا يقولون عن يقول البحر ، إنه السماء السفلى ، والمرأة بأنها أم الرجل. أما الحفيد ، فهم يسمونه العكاز. نعم العكاز ، وقد راقتني هذه التسمية الموحية الدالة،.
في العيد قبل الماضي ، غضب طفلي حين حاولت منعه من تقبيل يدي ، فقال محشرجاً والدمعة في عينه:(ليش أنت يا بابا بتبوس ايد جدو وايد تيتا؟،). عندها احتضنته بقوة وقبلته ، وسألت الله أن يجعلني وإياه من الذين يبرون آباءهم وأمهاتهم ، ويطيعونهم ويوقرونهم.
كنا نقبل يد جدي رحمه الله ثلاث مرات ، كلما سلمنا عليه ، وبين القبلة والقبلة ، نضع يده الكبيرة بعروقها النافرة وسلامياتها البارزة على صفحة الجبين. وكم كنا مبتهجين بهذا الفعل الذي لا نمله. وحين خف بصره ، صار بمجرد أن تسلم عليه ، يمد لك يده منتظراً القبلة الثلاثية عليها.
حضر معي ذات مرة ضيوف من أصدقائي الشباب ، ودخلنا البيت الطيني ، وكان جدي جالساً في صدره ، فبادرته بالسلام مقبلاً يده كالعادة. ثم تقدم من بعدي صديقي الأول ، فناوله جدي يده الكبيرة ، فقبلها ثلاثاً ، مثلما فعلت ، ثم صديقي الثاني ، والثالث. وكنت أرى البسمة في عيونهم. وحين غادرنا قال أحدهم: كم أغبطك ، فلك جد ما زلت تقبل يده،. فقلت:(إللي ما له جد يستأجر له جداً) ، وضحكنا.
عالمنا المتحضر ، خصص يوماً عالميا للمسنين ، مرت ذكراه قبل أيام ، يهدف للتذكير بكبار السن ، فنسبتهم بدأت بالتزايد مع تحسن الظروف الصحية وارتفاع معدلات الأعمار ، ولكني أشعر أن العالم لا يخصص يوما لشيء ما ، إلا كان هذا الشيء مهدداً بالخطر ، أو يعاني أزمة حادة ، فالأوزون له يوم: لأن ثقبه بات يستعصي على الرتق والرقع ، وجعلوا لكبار السن يوماً: لأنهم يعيشون شيخوخة باردة ومحزنة ، في ملاجئ العجزة ، بعد أن هجرهم الأبناء ، وهربت عنهم العكاكيز (الأحفاد)،،.
لا يعنينا يوم المسنينن من قريب أو بعيد ، لأننا لا نترك آباءنا وأجدادنا يعانون لملاجئ العجزة ، بل نبقيهم في دفء الأسرة وحضنها. فكما كان الجد لنا حضناً دافئاً ، وحناناً خالصاً في الطفولة ، فسنكون له عكازاً ، لا يتعب ولا يضجر. الكل فينا يستبق لخدمته ، وتلبيه حوائجه ، ونقدره ونوقره.
في زمن العقوق فقط ، يشعر الأجداد والجدات بالمعاناة ، حين يقضون شيخوختهم الباردة بلا عكاكيز تحيط بهم من كل الجهات. عكاكيز ساخنة بالحيوية ، تتسابق لخدمتهم واحترامهم. ألا رحمة الله على أجدادنا الطيبين.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية