لم يرق لي تصرف رجل طرد ضيفا من ضيوفه ، كما جاء في الزميلة وكالة (عمون) الإخبارية ، لأنه مد يده للسان الرأس (المصمود) على قمة المنسف. وكان سيروقني من باب التندر والطرافة ، لو أنه سمل عيني الرأس ، في إشارة أن من يقطع اللسان ، يجازى بالعينين،. لكن الدنيا تغيرت ، ولم تعد دلالات الأشياء ، كما كانت عليه سابقاً. ثم أن الضيف لا يُطرد ، ولو كان ذبّاح أبيك.
من منطلق الافتخار بالقوة علق الإنسان الأول ، في واجهة الكهف الذي يسكنه ، رأس الحيوان المفترس الذي اصطاده ، كي يشعر نفسه بقوته ، ويعلي من شأن جبروته أمام الآخرين. لكن (عنقرة) رأس الذبيحة على المنسف ، كانت لها إشارات منها ، أن هذا اللحم من هو الخروف الذي ترون رأسه أمامكم. وأن الرأس للرأس ، أي للسيد الكبير الذي يكون بين الآكلين.
والمنسف أخذ اسمه من اسم الوعاء أو السدر الذي كان يقدم فيه ، وهو وعاء واسع ينوء بحمله أربعة رجال. وهو في حال من الأحوال لم يسمَّ منسفاً لأنه (يُنسف) حتى آخر حبة رز فيه. فالمنسف برأيي قبل أن يكون قيمة غذائية تثير الشراهة ، هو قيمة ثقافية واجتماعية ، فحين نلتف حوله كتفاً بكتف ، ونأكل بآداب الطعام المعروفة ، ففي هذه إشاراة تضامن ومحبة وألفة لا تخفى على أحد. كما أن الدائرة لا رأس لها،.
ورغم أنهم كانوا يقولون إن الرأس للرأس ، إلا أن رأس المنسف كان يترك على حاله ، لا يسحب لسانه ، ولا تسمل عيناه ، ففي العرف القديم أن الرأس (للمعزبة) ، اي لصاحبة الدار وأولادها ، لأنه قد لا يبقى لهم من الذبيحة شيء يؤكل ، ولهذا على الضيوف تقدير الأمر ، وعدم مسح السدر وتنظيفه. ثم إن على المعزب أن يحمي رأس الذبيحة ، بتكثير اللحم ، كي لا يجرؤ أحد ويده على الرأس ، ولربما من هذا المنطق طرد ذلك المعزب ضيفه ، لأنه أهانه بإشارته إلى أن اللحم المقدم على المنسف قليل ، فأكل لسان الرأس،.
الأمور الآن تسير على غير هذا المنوال ، وتؤخذ بغير هذا التفكير. فعدا أن الكل أصبحوا رؤوساً حول المنسف، ، بعدما صار الواحد يعتقد نفسه الأهم في العالم ، فكذلك صار الرأس يوضع على قبة المنسف: لسد فراغ كبير سيشغله اللحم الغالي ، كما أن الرأس لم يعد يشير إلى أن اللحم المقدم هو من هذه الذبيحة. وإلا لما كان على كل منسف رأس. فاللحم المبرد والمجمد هما سيدا الموقف إلا ما ندر.
هل فكر أحدهم بمنسف رؤوس فقط؟،. ربما بهذا التكتيك سنحل مشكلة الرؤوس لدينا،،.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية