باستثناء من ذاقوا على يديّ شقيق الرئيس صدام حسين العذاب اثناء سنوات جبروته, فإن احداً لم يكن يعتقد ان السبعاوي يمكن ان يكون يوماً رقماً مهماً او ورقة سياسية ذات تأثير, ولو تم اعتقاله داخل العراق لما اثار تحوله الى قبضة قوات الاحتلال اي اهتمام يفوق كونه خبراً في نشرات الاخبار, لكن السبعاوي اصبح يساوي وزنه سياسة عندما جاء اعتقاله من قبل قوات الامن السورية وتقديمه الى القوات الامريكية هدية ثمينة ليس لامريكا بل للحكومة السورية.
 
ولعل من الطبيعي ان نتوقع ان اعتقال السبعاوي تم منذ شهور وان ما حدث الآن هو نقله من سجون سورية الى سجون الاحتلال الامريكي, وربما كان السبعاوي مختبئاً في سورية او لبنان تحت حماية المخابرات السورية, وجاء الظرف السياسي الحالي ليتحول الى ورقة هامة تنفِّس من خلالها القيادة السورية بعض ازماتها لاثبات حسن النوايا العلنية تجاه الادارة الامريكية, ولتقول ان مبادرتها بتسليم السبعاوي يمكن ان تكون لها مثيلات على المسارات الاخرى.
 
والاعلان عن تسليم اخ صدام حسين جاء في نفس الوقت الذي اعلن فيه فاروق الشرع في القاهرة ان اتفاق الطائف سيتم تطبيقه دون شروط, وامس  كان توقيع اتفاقية امنية وترسيم حدود مع الاردن, وكل هذا يأتي في سياق سعي سوري لتفكيك الازمات وحل الملفات العالقة، صغيرة كانت ام كبيرة, وربما يجد التيار المنفتح في القيادة السورية في هذه الظروف فرصة لتعزيز حضوره وتنفيذ قناعاته في مواجهة احكام السيطرة التي كان يمارسها الحرس القديم المتحالف مع العقلية الامنية السورية, والتي كانت لا تؤمن الا بجني الارباح, وتمارس سراً ما تريد، لكن المهم الاطار الشكلي والخطاب النضالي.
 
وتسليم السبعاوي ليس اول اشكال التعامل مع الولايات المتحدة امنياً, فقد سبقه تعاون اعلن عنه الرئيس بشار الاسد قبل نحو عام في حديث لاحدى الصحف الامريكية حين أكد أن سورية والمخابرات الأمريكية، افسدتا عدداً من عمليات المقاومة, لكن مشكلة سورية انها كانت تحاول ممارسة الذكاء، وزيادة أوراقها، فكانت تتعاون مع قوات الاحتلال لكنها تحاول الحفاظ على حضور ما في الساحة العراقية، وهذه الازدواجية كانت مرفوضة امريكيا, وكان المطلوب خطابا وفعلا واحدا ومنسجما بين السر والعلن.
 
ومشكلة الحرس القديم في سورية انه يؤمن بضرورة المناورة حتى اخر لحظة, لكن الجديد ان صدر امريكا ضيقوهي وليست معنية بتوسيع خيارات الاخرين، وهذا ما زاد من الضغوطات والازمات, فمشكلة سورية الاساسية ليست في انها ضد المفاوضات او انها مع النظام العراقي السابق، بل في كونها تحب المناورة لتوسيع مكاسبها, ولهذا فهي في الاوقات الصعبة تمارس اكثر مما تتهم به الدول العربية الحليفة لامريكا, ومصلحتها اولاً, لهذا لم تفتح جبهة الجولان لا للمقاومة السورية ولا حتى لغيرها, وفي عام 1982 لم تطلق طلقة على القوات الاسرائيلية التي احتلت لبنان ووصلت الى مسافة قصيرة من دمشق, ولم يصدر منها اي رد فعل عندما قامت الطائرات الاسرائيلية بقصف مناطق في دمشق, وحلقت فوق قصر الرئيس, ولا عندما قام الموساد بتفجيرين لعناصر من حماس في دمشق, فالصمت عنوان ردود الافعال, والحرب على حساب ساحات اخرى مثل لبنان او حتى فصائل المقاومة.
 
اصدقاء سورية من العرب يقدمون لها النصائح بضرورة تجنب المماطلة او المراوغة, وان تكون اكثر واقعية في مواجهة المجتمع الدولي, والاستجابات تحدث سراً وعلناً, وربما تكون القمة العربية القادمة ساحة لاعلان مبادرة عربية تعطي شرعية للاستجابة السورية, وربما تريد سورية ان تعطي ورقة استجاباتها لاصدقائها في روسيا او مباشرة مع واشنطن ليكون الثمن اكبر.
 
السبعاوي مسكين، لانه نسي انه ورقة, وعلى الاوراق العراقية والفلسطينية الاخرى ان تكون مستعدة للمقايضة والتسليم السياسي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة