على غرار موديلات الملابس والعطور والسيارات تجتاحنا منذ فترة حوارات وندوات تصل  حد الخلوات احيانا تتحدث حول الحاكمية الرشيدة, واحيانا الادارة الرشيدة, ويمكن استنساخ هذه المصطلحات الى الإعلام الرشيد الى ان نصل الى الطبخة الرشيدة, وكل هذا يهدف للوصول الى اداء معقول وانجاز في كل مجال, لكن كل هذه الاوراق وحفلات الغداء والعشاء التي ترافقها قد ينتهي مفعولها في اليوم التالي, وتضفي تعقيدا على مسألة يفترض انها في غاية البساطة من حيث الوصف النظري, كما انها تتجاهل المواطن الذي يتلقى اداء الحكومات والادارات سواء كانت رشيدة او غير ذلك.
 
وبلغة التاريخ والتراث فان لدينا تعريفا بسيطا خرج على لسان رسول كسرى الى عمر بن الخطاب عندما بحث عنه فوجده نائما تحت شجرة متوسدا حذاءه دون حراسة او مراسم, والاهم دون ان يخشى على نفسه من الناس فقال كلمته الشهيرة "حكمت فعدلت فأمنت فنمت", لان النوم لا يأتي لاي ادارة او حاكمية تغرق في نقيض العدل, ليس في الشارع بل حتى في بيوتهم الفاخرة ووسط اجراءات السكرتاريا والامن ومدراء المكاتب ولمن لا يعجبهم التاريخ وحكايات السلف, فان لدى المواطن العادي تعريفا اكثر بساطة للادارة او الحاكمية الرشيدة ويتلخص في قناعة المواطن بان هذه الادارة او الحكومة تعطيه حقه كاملا, سواء حقه في الفقر او الغنى, وان يكون على قناعة بان ما يعانيه من صعوبات او معاناة في معيشته وكل قرش يدفعه للدولة لا يتحول الى غير مكانه, وان لدى الادارة حرصاعلى ان يكون حق المواطن اولا, وان لا تكون الحكومات مبدعة في صناعة الغنى والثراء لطبقات او اشخاص على حساب راتب الموظف او العامل او المتقاعد, فالحاكمية او الادارة تبلغ رشدها الحقيقي اذا حققت للناس شعورا بالعدل حتى وان كان في المصاعب والمعاناة.
 
ولحاكمية الرشيدة ادارة تحقق اقصى اشكال التناغم والانسجام بين الخطاب والممارسة, فالعدالة والحرب على الشللية والمحسوبية, والهجوم على الفساد بأشكاله كل هذا يتحول الى خطاب ادانة لاي حكومة؛ اذااصبح موسما خطابيا ومضمونا انشائيا في المناسبات وبرامج الحكومات واخبارها بينما يرى الناس نقيضه او حديثا لا يبذل الكثير لتحويله الى واقع ملموس.
 
ما يعتقده البعض ان الرشد في الادارة يتحقق بكثرة الهيئات واللجان والوزراء والوزارات والاوراق، وكل هذا يمكن ان يحقق حالة اعلامية او سياسية لكنها لا تصل بالواقع الى مضمون او جوهر, والاهم انه لا يصل الى تكوين قناعة شعبية وحقائق ملموسة.
 
الادارة الرشيدة ليست ندوات في قاعات الفنادق بتمويل من سفارات او حكومات لكنها تراكم سياسات وقرارات, فكل انشاء العالم واوراقه لا يمكن ان تكون بديلا عن قرارات تمنح من لا يستحق موقعا او مالا او جاها, او تحجب عمن يستحق عونا او مساعدة او موقعا, بل ان تراكم السنين والتجارب فرض على الحكومات والادارات ان تبذل جهدا كبيرا حتى تنزع من اذهان الناس في مجتمعاتنا العربية القناعات السلبية, ثم محاولة اكتساب ثقة الناس.
 
قد تتوفر النوايا الحسنة لكن كما يقول بعض العلماء فان "حسن النوايا لا تبرر سوء العمل", فالمطلوب ليس تكثيف الخطابات والندوات وزيادة المساحات المزروعة بالتوصيات, وانما تقديم اداء عادل راشد, فالرشد في الادارة يقتضي ان يمارسه اصحاب مصداقية في مجتمعاتهم, تماما مثلما يكون خطيب المسجد او الواعظ حتى لا يصل حديثه للناس؛ ولا يتعاملون معه بجدية واحترام الا اذا كان له في نفوسهم مكانة اكتسبها بممارساته, والا تحول الى آلة تنطق بكلمات وعبارات ليست اكثر من وظيفة يتقاضى مقابلها راتبا.
 
الحاكمية والادارة الراشدة اول من يحكم بوجودها المسؤول وصاحب القرار في اي حكومة, فهو الذي يستطيع ان يطلق حكما على نفسه وفريقه وبخاصة ان في كواليس كل ادارة الكثير مما لا يعلمه الناس وقد يكون نقيضا للرشد الاداري او تعزيزا له.
 
واخيرا فان ادنى شروط الادارة ورشدها ان لا تكون اداة للبزنس والمصالح, وان يكون الدستور والقانون مرجعها, وان تمارس من قبل من يعتقد الناس بقدراتهم الفنية والاخلاقية.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة