لو كان هدير خطاب حسن نصرالله رئيس حزب الله الذي شهده العالم يوم الثلاثاء قبل ثلاث سنوات من الآن لكان له من المصداقية والاحترام ما غاب عن خطاب الثلاثاء, فالزئير وتهديد امريكا بالهزيمة وتدمير اساطيلها لا قيمة له بعد الموقف غير القومي الذي وقفه حزب الله من الاحتلال الامريكي للعراق, وانحيازه لخيار مرجعياته في طهران والعراق الذين ساقوا اتباعهم من الشعب العراقي لاضفاء شرعية على انتهاك امريكا لسيادة دولة عربية مسلمة, بل وكانوا جزءا من ادواته السياسية وحتى العسكرية حينما شارك زملاء نصرالله في حزب الدعوة في العدوان على اهالي الفلوجة ورجال المقاومة فيها.
 
فأمريكا التي يهددها حسن نصرالله بالدمار والهزيمة لقيت من مرجعيات نصرالله كل الحفاوة في العراق, وتحالفت مع (دولة الثورة الاسلامية) ورموز الشيعة في العراق, واكبر الفتاوى اخرجها السيستاني بمنح مفتاح نار جهنم لمن لا يشارك في انتخابات تحت ادارة بساطير المارينز، وعجزت الفتاوى عن مقاومة المحتل والشيطان الاكبر, ولهذا فلا قيمة حقيقية لتهديد الشيخ نصرالله الا اذا كانت امريكا القتل في العراق ليست امريكا التي هددها.
 
وخطاب نصرالله والحشود التي شهدتها ساحة رياض الصلح في بيروت يوم الثلاثاء لا تختلف عن خطابات الانظمة العربية, فهذا الحشد تسديد فاتورة بالنيابة عن طهران تجاه سورية, حيث تقتضي البراغماتية والانتهازية الايرانية ان تختفي ايران في القضية السورية, اما مئات الالوف فهم نتاج انضباط شيعة لبنان لمرجعيتهم وليسوا بالضرورة مؤيدي سورية, وربما يكون لوجود مليون عامل سوري في لبنان تأثير في هذا الحشد، فضلا عما ذكرته بعض الجهات من عمليات نقل تمت من قبل السلطات السورية للآلاف الى الساحة.
 
لكن اكبر مغالطات الشيخ انه يصر على ان انسحاب قوات دمشق يتم وفق اتفاق الطائف, متناسيا ان احترام هذا الاتفاق كان يعني انسحاب سوريا عام 1992 وانه لولا الانصياع السوري للشروط الامريكية لما تم الانسحاب بهذه السرعة, وسنصحو جميعا مع الشيخ قريبا وليس في لبنان جندي سوري, وهذا ليس استجابة لاتفاق الطائف الذي يحاول الشيخ من خلاله تبرير استجابة سورية وحلفائها لشروط واشنطن.
 
يقول الشيخ ان شارون احتل بيروت عام 1982 وان حافظ الاسد حمى هذه العاصمة, ولا ندري اي حماية يقصدها نصرالله، وقد تركت سورية شارون يعيث فسادا وقتلا في الشعبين اللبناني والفلسطيني ونفذ مع اتباعه من الكتائب مجزرة صبرا وشاتيلا, ودمر بعدوانيته بيروت ومدنا اخرى حتى اخرج منظمة التحرير الى البحر. وفي تلك الحرب لم تتحرك القوات السورية في لبنان والتي وصل عددها  الى اكثر من (30) ألف جندي حتى للدفاع عن نفسها, وصمتت المدافع والطائرات والصواريخ السورية وتركت الشعب اللبناني يواجه العدوان والتدمير، الا اذا كانت دمشق في حينها ترى في الاجتياح الصهيوني توقيتا غير مناسب للحرب.
 
  نحن لا ننكر انجاز حزب الله وتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي؛ولكن الشيخ نصرالله يمارس نوعا من التضليل الذي تمارسه بعض الانظمة حينما يعلن ان سورية حمت لبنان في مواجهة عدوان شارون, والشعب اللبناني الذي ذاق عدوان قوات الاحتلال الصهيوني لم يشهد معركة عسكرية بمشاركة قوات النظام السوري حتى عندما وصلت القوات الصهيونية الى مسافة محدودة من دمشق, وهذا ما فعله احد قادة المقاومة الفلسطينية عندما الف كلمة في تأبين حافظ الاسد وحمله مسؤولية انتصار الامة وصمودها, لكن ذلك القائد معذور في حينها لحداثة التجربة وليس مثل الشيخ نصرالله الذياطلق عواطفه ويخلط بين مصالح حزبه وموقفهم من النظام وايران وبين حقائق التاريخ, الا اذا كان هناك حروب جرت (سرية) مثل المفاوضات والتفاهمات السرية التي تحكم معادلة قوى ودول ثورية مع اسرائيل, بل ان ارض الجولان المحتلة لم تشهد اي طلقة حتى للمشاغبة!!
 
وربما يكون احد اسباب غضب ايران واتباعها في المنطقة ان الادارة الامريكية لم تقدر المواقف التي ساندتهم في حربهم على العراق, لكن واشنطن تعامل الاصدقاء والحلفاء والمتطوعين لخدمتها وفق منطق (زواج المتعة) الذي تفهمه طهران جيدا, فالعلاقة تنتهي بزوال الخدمة, لهذا فإن مصلحة امريكا واسرائيل ان تنزع كل الاسلحة وان تعيد هيكلة الواقع السياسي لبعض الدول. ولم يشفع لحزب الله انه وقف ضد المقاومة في العراق ومارس صمتا طائفيا لمصلحة الانخراط في مؤسسات الاحتلال من حكومات وانتخابات الى حد معاقبة مقتدى الصدر الذي فكر بطريقة عربية لكن الجميع اعادوه الى حظيرة المصالح الايرانية.
 
وحتى قصة الاتفاقات والمعاهدات مع اسرائيل فعلى الشيخ ان لا ينسى ان سورية  مثل غيرها من الانظمة العربية تقبل بالتسوية, وانها مؤخرا اعلنت استعدادها غير المشروط للتفاوض مع اسرائيل التي تجاهلت هذه الايجابية السورية وان ما يتم التخويف منه من اتفاق تسوية بين لبنان واسرائيل يمكن ان يحدث مع سورية, لكن المشكلة ان دمشق تريد لبنان ورقة تفاوضية دون رفض للتسوية وقرارات الامم المتحدة والتطبيع بعد التوقيع.
 
 من حق اللبنانيين ان يتظاهروا رافضين او مؤيدين لوجود القوات السورية, لكن المشكلة في الانفعال المتكلف الذي يمارس من البعض, ولم يستطع حزب الله ان يبقى في دائرة الحكمة ومحاولة اطفاء التوتر في لبنان لأن عليه التزامات وفواتير لا بد ان يسددها لمرجعيته في ايران حتى وان كانت استنزافا لرصيده الذي جمعه في المقاومة, حتى اصبح مثل اذاعة رسمية يبرر الانصياع لشروط امريكا باتفاقات مضى على افتراض تطبيقها عقود وسنوات, وستبقى القضية العراقية المسمار الاهم في مصداقية قيادة حزب الله وحقيقة موقفها من الشيطان الاكبر تماما مثلما جدث لدولة يقول اصحابها انها ثورة اسلامية ملأت الدنيا ضجيجا بشتم امريكا التي اصبحت حليفا عندما وصلت الى حدود طهران.
 
ليس هناك من عربي صادق يحب امريكا ويقبل بسياساتها العدوانية الا من يعرفهم الشيخ, لكن من الظلم ان يختبئ البعض وراء شتم امريكا لتبرير سياساته ومواقفه وخطاياه حتى تلك المواقف التي يتم التوافق عليها مع امريكا وربما تستفيد منها اسرائيل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة