عندما يلجأ الطالب الى التحزير او (الفنة) لاختيار الاجابات في اسئلة الامتحان الموضوعية او ما تسمى (ضع دائرة), فإن الحال يشير الى امرين: اما ان الطالب لم يدرس دراسة عميقة وكافية تمكنه من اختيار الاجابات بمنطق, او ان الاسئلة يغيب عنها المنطق والتوازن والانسجام بحيث اصبح الخيار التحزير و(الفنة).
وفي عالم العمل السياسي يكون ظهور التحزير وزيادة منسوبه مؤشرا سلبيا وربما يصل الى حد الخطورة, فمن الطبيعي عندما يتوقع اهل العلم شخص رئيس حكومة قادمة ان يتم التوقع وفق اسس ومعايير ومحاولة مفهومة, بحيث يتم انتقاء الاسماء وفق هذه المعادلة, لكن دخول (علم) التحزير والذهاب بالتوقعات الى ما هو مستغرب او مدهش فهذا يعني ان في الامر تحولا على حساب المنطق, فمسارات الدول لا يتم التعامل معها وفق منطق الافلام الامريكية حيث يمكن ان يحدث اي شيء في اي لحظة, او ان يفك البطل قيوده في اللحظات الاخيرة وينتصر للخير ويهزم الشر. وزيادة نسبة التحزير في التحليلات تعني ان مثل هذا الموقع او غيره من المواقع الهامة يمكن ان يستقبل اي شخص بغض النظر عن تجربته؛ لكن ما يملكه انه جزء من دائرة طبقات المسؤولين.
 
وحتى عند حدوث تعديل او اعادة تشكيل في اي حكومة في العالم فإن الاسماء التي تتردد يفترض ان تتم في سياق واضح, وهامش المفاجآت ليس على صعيد الخبرة والتجربة بل في مجالات لا تخل بمنطق الاشياء, وليس انجازا لأي رئيس حكومة ان يفاجأ الناس بوزراء او مدراء او سفراء ليسوا في دائرة التوقع من حيث القدرة لا الاسماء, وليس منطقا ان لا يستطيع احد التنبؤ بالموقع الوزاري (مثلا) الذي سيحتله شخص ما, فيفترض ان يكون وجود اي شخص في موقع يمكنه العطاء فيه عن كفاية، فمن سيأتي للصحة او التربية او الخارجية او العمل يفترض ان يكون من اصحاب تجربة قريبة من هذا المجال, وهذا الغموض لا يجوز ان يتم تحت مبرر ان الوزير موقع سياسي لنكتشف في حكومات ان الوزير لم يكن سياسيا ولا فنيا, ولعل وزارة الاوقاف هي التي ما زالت تحافظ على التخصص ولم تدخل ضمن علم التحزير.
 
والامر لا يقتصر على الاشخاص، بل على السياسات والمواقف والاجراءات, فأحيانا تتبنى حكومة منهجا او تفتح ملفا شائكا, لكن المتابعين لا يملكون القدرة على توقع نهاية المطاف, فالتصعيد الذي يكون اليوم يختفي ويتحول بعد ساعات الى دبلوماسية وحوار, وكلما زادت نسبة غير المتوقع في القرارات والسياسات كانت الدلالة غياب السياسات الحقيقية, لنكتشف ان العمل يتم بالقطعة ووفق نظام المياومة.
 
ولهذا فإن التقييم السليم لاداء اي حكومة او هيئة سياسية لا بد ان يراعي نسب التحزير وغير المتوقع في مسارها, فزيادة ما هو غير متوقع تشير ايضا الى غياب المؤسسية وان القيادة لهذه الهيئة فردية او متأثرة بالتقلبات اليومية, ولهذا نجد في العمل السياسي تصريحات يطلقها بعض المسؤولين وتثير الاستغراب لكونها تخالف ما هو عليه الحال, واحيانا يتحدث مسؤول دون ان يعلم كثيرا من تفاصيل ما يتحدث عنه، وعلى الناس ان (يحزروا) ان كان هذا التصريح او ذاك تعبيرا عن سياسة عامة او عن رأي شخصي او هو سواليف كتلك التي يمكن ان يتحدث بها اي مواطن.
 
واذا كان وجود قانون (الفنة) و (التحزير) في معادلات العمل السياسي مشكلة, فإن الكارثة ان يصبح الاصل التحزير والاستثناء التعامل وفق معادلات واضحة, وعندها يمكن توقع ان يعين نائب او عين او وزير سابق مدربا للمنتخب الوطني او ان نجد لاعب المنتخب بدران الشقران عضوا في مجلس التربية والتعليم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة