زيارات جلالة الملك الى الولايات المتحدة تخرج عن اطارها التقليدي لزيارات الرؤساء والقادة, فالهدف الاساسي ليس فقط اللقاءات الرسمية مع الرئيس وقادة صناعة القرار في الخارجية والدفاع والكونغرس, بل ايضا الى محاولة التأثير او على الاقل تقديم وجهة النظر الاردنية والعربية لمفردات المعادلة الاميركية في واشنطن والولايات الاخرى.
والمشكلة ليست في وجود زيارات للقادة العرب الى واشنطن بل في اختيار الخطاب والقضايا المناسبة في الحوار مع مراكز صناعة واتخاذ القرار, فالقرار الاميركي يتم توجيهه بواسطة لوبي صهيوني نشيط وذكي, وتتم تعبئة الاوساط هناك بحالات حقد تجاه العرب والمسلمين وقضاياهم ومواقفهم, فمثلا هنالك قضية حزب الله اللبناني الذي شمله قرار مجلس الامن رقم 1559 والهدف تحقيق مطلب اسرائيلي ليس في اجتثاث سلاحه وانما الى مسارات اخرى, وحين يتحدث الملك في واشنطن عن ان حزب الله يتخذ مسارا سياسيا وانه جزء مهم في المعادلة اللبنانية لا يمكن تجاوزه, فهذا دفاع حقيقي عن لبنان ومحاولة توجيه الامور باتجاه فتح ابواب للحوار في حل مشكلة قرار مجلس الامن وسبل تطبيقه وتخفيف الضغط على لبنان, او بمعنى اخر محاولة التخفيف من التعبئة ضد حزب الله في لبنان, والقول انه حزب سياسي وليس تنظيما خارجا عن القانون او ميليشيا ينبغي حلها وتفكيكها, وهذه اللغة هي الاقرب للتعامل مع الساحة الاميركية ومواجهة عمليات التعبئة السلبية ضد قضايا الامة.
وحتى عندما يتحدث الملك عن الاصلاح والديمقراطية والتنمية في الاردن فان الحديث لا يحمل نوعا من المبالغة او تجاوز السلبيات والعقبات او العقليات المقاومة لهذه المسيرة, وانما يتحدث عن رؤية وبداية مسيرة تقطع اشواطا وتحقق انجازا في خطوات وتحتاج الى استكمال واصلاح خلل في جوانب اخرى, لكن القصد والجوهر توجيه انظار القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هناك الى وجود نموذج اردني, وهذا حق طبيعي لاي دولة ان تسوق انجازها ومسارها, كما ان هذا محاولة لاستقدام الدعم لهذا المسار بكل اشكاله, وحتى لا تبقى صورة الواقع العربي في الاوساط الاميركية وكأنه حالة واحدة من القمع والتخلف والديكتاتورية.
وفي واشنطن هنالك محاولات اردنية دائمة لتقديم النصح للاوساط الاميركية في كيفية التعامل مع الساحة العربية, وسواء سمع الاميركيون نصيحة الاصدقاء والحلفاء او لم يسمعوا فهذا لا يقلل من قيمة ما يقال ولا يلغي الحاجة للمزيد منه, فخلال احدى المقابلات التلفزيونية مع جلالته قبل ايام تحدث عن آليات تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم العربي, واشار الى ضرورة تحقيق انجاز في الملفين الفلسطيني والعراقي لمصلحة الشعبين الشقيقين وتحقيق الاستقرار والامن, وهذا رد على المزاعم في اوساط اميركية واسرائيلية تدّعي بان مشكلة المنطقة فينا نحن العرب, وربط تحسين صورة اميركا برفع الظلم عن شعوب عربية يعني ان اصل المشكلة في وجود الظلم والاحتلال وليس في منطلقات الموقف العربي من واشنطن, وان شعوب العرب ليست في وضع كراهية فطرية للسياسة الاميركية.
اي دولة في العام معنية بتحسين صورتها وتقديم نفسها للقوى المؤثرة بشكل ايجابي, وهذا ما يفعله الملك في زياراته, لكن هناك مزاوجة وربما تفضيل للقضايا العربية على اجندة هذه الزيارات لاسباب عديدة منها ان الاردن يتأثر كثيرا بالملفات الساخنة في الشرق والغرب, لكن الاهم ان تكون زيارات القادة العرب الى واشنطن وعواصم الدول الكبرى تقوم على منهجية ورسالة واجندة واضحة, على عكس زيارات قادتنا العرب لدولنا العربية حيث تعقبها اخبار وبيانات تقدمها وكأنها اوجدت حلولا لمشاكل الامة, بينما قد لا تكون اكثر من زيارة مجاملة.
الملك في واشنطن محاولة جادة للتأثير في دولة تكتوي كل الامة بنيران سياساتها, لكنها زيارة ككل سابقاتها تقوم على منهجية تتجاوز البروتوكولات, وكما قال احد الزملاء فان لقاءات الزعماء مع الرئيس بوش قد تكون البند الاقل اهمية لمن يذهب الى واشنطن, لكن المشكلة ان البعض لا يرى في زيارات القادة سوى هذا اللقاء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة