للقمم العربية جانب اخر هو ما يلفت الانتباه ويشكل المادة الاخبارية الحقيقية وليس الاطار الشكلي الذي يسمى القرارات والمبادرات ومشاريع البيانات الختامية, فكل هذه الكميات من الكلام لم تعد تشكل حدثاً او قضية لان الجميع يدركون ان العمل العربي عزف منفرد تمارسه كل دولة حسب مصالحها وعبر علاقاتها وبخاصة في الملفات الكبرى والهامة.
لكن ما تنشغل به القمم قبل ايام من انعقادها هو (دفتر الحضور والغياب) حيث تبدأ بورصة التوقعات والتسريبات والاشاعات حول حضور هذا الزعيم او ذاك, وخلال الايام الاخيرة من كل قمة تبدأ قائمة الغائبين بأعذار او دونها, وحتى بعض القادة فإنه يبقي قرار حضوره معلقا حتى اللحظات الاخيرة بانتظار من سيحضر من الاخرين, او حتى يرى اجواء القمة عبر التقارير الصحافية, وخلال السنوات الاخيرة وفي اروقة فنادق القمة شهدنا حجوزات فندقية ضخمة لوفد دولة هامة, ثم الغاء الحجز قبل يومين لان الرئيس لن يحضر, ثم غير رأيه وعادت الحجوزات, وهكذا فالقمة تبقى منشغلة بمن سيحضر, فضلاً عن قائمة غياب قسرية سنوية للزعماء الذين لا تمكنهم ظروفهم الصحية من الحضور, وقائمة صغيرة من قادة لا يحبون حضور القمم, وسجلت القمة الماضية اضافة نوعية عندما تم الغاؤها قبل موعدها بيوم, وسافر الجميع من تونس بعدها انشغل العرب اسابيع اخرى في ترتيب موعد جديد حتى انعقدت في مصر, وربما كان الرئيس التونسي على حق حين الغى القمة, فكان حازماً في تأجيل او الغاء القمة لانه يعلم ان الامة لن تخسر شيئاً. وفي القمم قصص اخرى عن وفود كبيرة تصل الى 500 شخص لا علاقة لهم بالعمل السياسي.
وفي القمم الاخيرة شاهد الناس ظاهرة (الهوشات) والخلافات والتنابز بالالقاب احيانا بين القادة ورؤساء الوفود, وقد لا تكون الظاهرة جديدة, لكنها مع انتشار الديمقراطية اصبحت (طوشات) تبث على الهواء مباشرة, وهذه رسالة للعالم بأننا نشهد تحولاً ديمقراطياً نوعياً ينسجم مع مطالبات الاصلاح التي تطالب به الولايات المتحدة.
والقمم تحمل نوعاً من التشاؤم لبعض الدول فخلال الاعوام الاخيرة شهدت مقاعد القادة تبدلاً لاسباب متعددة منها الوفاة او الحصار كما كان لعرفات الذي غاب منذ قمة بيروت واصبح يحضرها عبر التلفزيون, او نزعاً بالقوة مثلما حدث في العراق, وهذا النوع من الغياب مرشح للاستمرار نظراً لظروف صحية او تحولات وتهديدات تجعل من وجود البعض على مقاعدهم يحتاج الى ثمن باهظ وقلق مستمر.
وما دمنا في زمن الاقتصاد الحر والخصخصة والليبرالية الامريكية, فقد يكون مفيداً التفكير بخصخصة مؤسسة القمة العربية وبناء شراكة بين القطاع العام العربي وقطاع خاص عربي, وقد يضمن هذا للقمة فرصاً اكبر للنجاح, فاختيار البلد المضيف ومدة كلمات وخطابات القادة اضافة الى قوائم الطعام ومواعيد الوصول وحتى (الطوشات) واخيراً البيان الختامي, كل هذا يمكن للقطاع الخاص ان يضمن له حسن الادارة.
ما نقوله ليس محاولة لتجاوز جوهر القمة, لكن هذه المؤسسة وصلت الى مرحلة من الاستغراق في الشكليات, والغرق في الخلافات حول جملة وكلمة في البيانات لدرجة لم تعد قادرة على الفعل, وربما لا تكون اكثر من موسم سياحي للبلد المضيف حيث يتناثر اعضاء الوفود في الاسواق والمطاعم او اماكن الترفيه اذا توفرت, وتكتظ الفنادق بمئات وآلاف الزبائن, وبهذا تقدم الجامعة العربية خدمة سياحية للبلد, فضلا عن ان شهر اذار سيدخل التاريخ بقمته السنوية التي تبقى محل شك الى حين افتتاح جلستها الاولى في كل مرة!!
واخيراً فإن تضاؤل الاهتمام الرسمي بالقمم يحتاج الى معالجة قد يوصلنا الى مرحلة يكون فيها التمثيل على مستوى مدربي المنتخبات الوطنية لكرة القدم!!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة