ما يجري على صعيد الازمة التي تفتعلها بعض القوى العراقية ذات الولاء الايراني، يقابلها بعضنا في الاردن بإدانة متراكمة للارهاب الذي يمارس ضد المدنيين في العراق, ورغم ان الادانة موقف لا خلاف عليه الا انه لا يمثل علاجاً او دواء فاعلاً لهذه الازمة المفتعلة, لان الاطراف التي تقف وراء الاساءة للاردن تعلم ان الاردن ليس مسؤولاً عما يجري, وان الحكومة الاردنية وقفت مساندة لمجلس الحكم الانتقالي والحكومة المؤقتة, وانه لا يسمح لاي كان بممارسة قتل المدنيين ليس في العراق بل في اي مكان ومنذ سنوات وسنوات.
 
لكن الازمة التي تمتد الى طهران والتي حركت اتباعها في العراق وهم فئة معروفة تهدف الى ابتزاز الاردن بل ووضعه في حالة حرجة الى حد دفع ثمن سياسي ليس لعملية الحلة التي لا يعلم احد من قام بها وانما لموقفه السياسي الذي يرفض التآمر على هوية العراق ووحدته, ووجه تحذيرات سياسية من هيمنة طائفة على اخرى او تحويل مجموعات تدين لها بالولاء وهم يعملون كحديقة خلفية لنظام طهران.
 
وحين يطالب بعض اتباع ايران باعتذار علني من جلالة الملك, ويتجاوزون الموقف الاردني المكرر في رفض قتل المدنيين, فإن المقصود الحصول على اعتراف بمسؤولية الاردن عن امر لا علاقة له به, فلا يعتذر الا المخطئ, فالاعتذار اعتراف بالخطأ, وكأن ايران واتباعها يريدون ارسال رسالة للاردن بأن اي موقف يمكن ان يتخذه يغاير مصالح هذه الاطراف سيدفع ثمنه حرجاً وتصعيداً وازمات سياسية وضجيجا اعلاميا.
 
وما نجحت به هذه القوى ذات الولاء لايران انها استدرجت بعض القوى العراقية لحمل موقفها, مستغلة حسابات المصالح وصفقات تشكيل الحكومة العراقية القادمة, وهذا امر متوقع؛ فالانتخابات التي حملت للعراق هيمنة للائتلاف الموالي لايران تفرض على الاقليات من الائتلافات الاخرى ممارسة الاصطفاف السياسي حتى وهي تعلم حقيقة الموقف الاردني.
 
وفات على مسيّري المظاهرات ومن يقفون وراء حرق العلم الاردني والاساءة لقيادته ان من يتحمل مسؤولية نجاح بعض القوى في قتل المدنيين هي الجهات العراقية التي تملك جيشاً وشرطة, وكذلك المجلس الاعلى الذي سبق ان تبرع للادارة الامريكية بتوفير (100) الف مقاتل من ميليشياته لحماية الانتخابات التي جرت قبل اسابيع, فإذا كانت كل هذه الميليشيات والاجهزة عاجزة عن توفير الامن للعراقيين فلماذا تطالب الاردن بمنع شاب لا تعلم عنه شيئاً من القيام بعملية, هذا اذا افترضنا صحة مزاعم مسؤولية رائد البناعن العملية، ويقيننا ان هذه العمليات لا يعلم احد المسؤولين عنها وقد تكون وراءها دول او مخابرات دول اخترقت العراق وصدّرت مئات الالوف من اتباعها ورجالها عبر لافتات مختلفة ومستغلة ضياع الاوراق وملفات المواطنين بعد الاحتلال.
 
وما نعلمه جيداً ان ايران واتباعها ومن يحملون لواءها في العراق يشعرون بخسارة لمصداقيتهم وضجيج الثورة والدين الذي ضللوا به الجماهير عقوداً طويلة, فهؤلاء انكشفوا امام الشعوب بأنهم ليسوا حملة رسالة وان اختبار العراق قدمهم على حقيقتهم مؤيدين بل وحلفاء لقوات الاحتلال الامريكي في حربه الظالمة على العراق, بل ان من يطلبون الاعتذار العلني من الاردن شاركت قواتهم في العدوان على الشعب العراقي في الفلوجة, وهذا المأزق الكبير الذي ترافق مع خيبة امل من تقدير امريكي لم يحدث للخدمات الايرانية جعلها تحاول استغلال اوراقها واتباعها في تصدير ازمتها, وتصوير الاردن وكأنه مساند للارهاب ومتهاون في مطاردة المتسللين, وربما هي محاولة للايقاع بين الاردن والولايات المتحدة وممارسة تحريض على الاردن في ملف تعلم طهران انه اولوية في السياسة الامريكية, لكنها محاولة ساذجة لكنها من باب (العيار الذي لا يصيب يدوش).
 
واذا عدنا الى ساحتنا الاردنية فإننا نقدر عدم رغبة القيادة الاردنية في التصعيد وحرصها على علاقات جيدة مع العراق, لكن هذا النوع من الابتزاز من اتباع طهران لا يقابل دائماً بالتهدئة وبخاصة ان هؤلاء يحبون قراءة الحكمة الاردنية وكأنها ضعف او نوع من الاعتراف بوجود خطأ اردني, ولهذا فلا يجوز ان نبقى نتعامل مع القضية على اساس عملية الحلة والموقف من الارهاب, بل على اساس انها موقف سياسي لمن يدينون بالولاء لايران للثأر من موقف سياسي اردني حريص على هوية العراق العربية, ومحاولة من هذه الاطراف لادخال الرعب في قلوب الاردنيين من التصدي لاي عبث في خارطة المنطقة وهيمنتها.
 
ما يجري يؤكد صحة الموقف الاردني الذي يحذر من امتداد النفوذ الايراني في المنطقة العربية, وان طهران ومن معها يحملون خطورة على المنطقة وهويتها العربية, واطماعا لا يمكن اخفاؤها تحت لافتات الثورة الاسلامية والدين, فالدولة اولاً واخراً ليست عربية الهوية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة