تذكرون تلك العملية العدوانية التي قامت بها قوات الاحتلال الاسرائيلي قبل اسبوعين ضد احد نشطاء المقاومة في قريته والتي ادت الى استشهاد المجاهد؛ وهذا الحادث يتكرر كثيراً في ظل احتلال ومقاومة, لكن الجديد تلك الضجة والرسالة التي ارسلتها وسائل الاعلام الاسرائيلية عبر الجنازة الحامية والاهتمام غير العادي بجنازة الكلب الذي كان جزءاً من قوة الاحتلال التي داهمت بيت المجاهد, لكنه انشغال وافتعال وتكلف من هذا الكيان الذي يريد تجيير حتى الحيوانات التي لا هوية لها سياسياً او قومياً في معركتها الظالمة, وحتى تقول لنا انها تحترم "مقاتليها !!" حتى لو كانوا من الكلاب .
لكن الاعلام الاسرائيلي الذي احتفل بالكلب لم يتحدث عن ان من قذف الكلب "المحتفل به" الى القتل هم جنود الاحتلال, حيث ارادوه ان يتلقى رصاص المقاومة, ليختبروا مكان وجود المقاوم ونوع سلاحه, لكن هذا لم يمنع جيش الاحتلال من تنظيم جنازة عسكرية بمشاركة عدد كبير من الجنود, وتم وضع شاهد على قبر الفقيد وبث التلفزيون الاسرائيلي صوراً للجندي صاحب الكلب وهو يبكي وينتحب, وقال كلاماً مؤثراً في رثاء الراحل ووصفه بانه "كان طيب القلب" , ولم ينس التلفزيون الاسرائيلي ان يشير في تقريره الى ان جيش الاحتلال فقد خلال السنوات الاربع الاخيرة "20" كلباً من كبار كلاب الجيش, وطبعاً كلهم طيبي القلب .
والقصة التي روتها(الغد) في حينه تحمل جانباً طريفاً ومسلياً, لكنها تكشف عن جانب هام يتعلق بعقلية قيادة جيش الاحتلال التي تعطي الاهتمام والاحترام لكل كوادرها حتى من الحيوانات, وهذه منهجية لم ينجح العرب في تعلمها من هذا العدو, فكم كانت اسرائيل تخوض معارك تفاوضية وسياسية لاسترداد رفات قتيل من جنودها يسقط في عدوان على هذه الارض العربية او تلك, وكم هي المرات التي تمت فيها عمليات تبادل الاسرى حيث كانت تفرج عن عشرات العرب مقابل جندي او حتى جثته, وهذه من المنهجيات التي ترفع الروح المعنوية لجيش الاحتلال ومواطني هذا الكيان, تفعل هذا وهي دولة عدوان, لكن حالة القلق التي تعيشها تجعلها تبحث عن كل الوسائل التي تزيد من تماسك مجتمعها حتى لو كان عبر جنازات رسمية لكلب هم من قتلوه او دفعوه للموت.
وعشنا جميعاً الحرب الطويلة التي خاضتها اسرائيل سياسيا ودبلوماسياً مع مصر سعياً لتأمين الافراج عن الجاسوس الاسرائيلي صاحب الاصول العربية عزام عزام, ولم يتسرب الكلل او اليأس الى اداء الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة من اليمين او اليسار حتى استطاعت اخيراً ان تعيده الى فلسطين المحتلة, وظهر علينا وهو يغطي نفسه بعلم اسرائيل ويتحدث بفخرعن مهمته.
رفات جندي سقط في لبنان او في اي ساحة عربية لن يحقق النصر لاسرائيل, لكن هذه العقلية في الحرص على الانسان في هذا الكيان جزء من علاج تقوم به للتغلب على مشكلات يعيشها هذا المجتمع من خوف وقلق وعدم استقرار؛ فاذا كان هذا الخوف يزيد من روح العدوان فانه ايضاً يعطي قيمة لاي فعل مقاوم حتى لو كان في نظر بعضنا عمليات لا تحقق هدفاً سياسياً او فعلاً يتناقض مع المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
حينما يكون الكلب فقيداً وتبث من اجله تقارير اعلامية وتلفزيونية وتذرف الدموع على قبره, وتقام له جنازة رسمية؛ فان هذا يعطينا تفسيراً لسبب من الاسباب الكثيرة التي ادت الى هذا الواقع الذي يهيمن فيه كيان صغير على مسار سياسي لاقليم, ويفرض اجندته ثم يتركنا نحن العرب نبحث عن مبررات سياسية لهذا الواقع.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة