هل سيأتي حين من الدهر ، لا نذكر فيه خبر مشاجرة جامعية ، ونراها لا تستحق مقالاً صغيراً ، أو تحليلاً عابراً ، ليس لأنها غير مؤلمة ، ولا تضرب في العظم ونخاعه ، بل لأنه كثرت وتفاقمت وشاعت ، حتى باتت عادية جداً. وأخال هذا اليوم بات قريباً ، بعد أن صارت لا تنتهي مشاجرة ، إلا وتناسلت كالبكتيريا إلى أخريات.
نسمع أن فتائل اشتعال هذه المشاجرات تتخلص في جريمة أن فلانا (جحرني) ، أي نظر إلي نظرة بنصف عين ، أو أنه (طل) على بنت ابن ابن عم زوج خالتي ، أو أن أولاد عمه تحركشوا بابن جارتنا قبل سنتين في مجمع الباصات. ثم يتم التجييش على نظام الفزعة الأردني الخاص بالمشاجرات ، المبني على فكرة ومبدأ أنك تهاوش وتقاتل وتكسر رأس واحد من الناس لم تره في حياتك ، ودون أن تعرف سبب الطوشة أو جذرها.
المشكلة ليست في (جحرني) ، أو (طل علي) ، أو أن ابن عمك أسقط يافطة انتخاب ابن عمي ، عن عمود الكهرباء ، ولا بأن أخاك نزل للانتخابات (جكارة) بعشيرتنا. بل تكمن المشكلة في العقل المدجج بثقافة رجعية ، تحمل جرثومة التعصب القبلي والجهوي والمناطقي والإقليمي. ثقافة لم يغيرها الحاسوب المحمول ، الذي لا يفارقنا ، ويميًّل أكتافنا ، ولم يغيرها أننا نجوب العالم وفضاءاته على الانترنت ، دون أن ننظف رؤوسنا من ضحالة تلك الأشياء،.
حين اتناول هذه القضية الحساسة ، فأنا لا أعمم ، ولا أخلط الحابل بالنابل ، بل هناك من الشباب الجامعي ، الذين نفاخر الدنيا بدماثة أخلاقهم ، وحبهم لجامعتهم ودراستهم ولزملائهم ولبلدهم ، ولكننا نضطر أن نكتب في هذه الموضوعات المخجلة: كي نبرز القضية للقائمين على أمر جامعاتنا ، فينبروا لمعالجة هذا المرض من جرثومته الأولى ، تعبنا من غباء معالجة العرض دون المرض.
متى ندرك أن الجامعة ليست كتاباً ، ومحاضرات وامتحانات فقط ، وليست عد أيام ودفع أقساط ، ولا عرض أزياء وهواتف نقالة. الجامعة حياة متكاملة بذاتها وكيانها ووجدانها ، وأرى أن مدخلنا لمعاجلة هذه الآفة التي تأبى أن تخنس ، يكمن في الارتقاء بعقلية طلابنا ، عن طريق المسرح والموسيقى والفن والرياضة والمطالعة والسينما ، وسائر النشاطات التي نسميها جزافاً بالنشاطات اللامنهجية ، بالطبع دون أن نفرط بالجانب الأكاديمي.
الطالب الجامعي الذي يشعر بأنه ممتلئ ، وأنه مكتنز بجواهر الأشياء وثمينها كصندوق اللؤلؤ ، لن يكون في نفسه متسع لسفاسف الأمور وصغيرها وحقيرها ، ولن يكون في نفسه أن يشج رأس زميله لأنه جحره ، بعدما خرج من المحاضرة. بل سيقضي في الجامعة أجمل سنوات حياته ، يجمع فيها ركائز ثقافته ومستقبله.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية