تقييم دقيق، يعبر عن شفافية اردنية، قدمه جلالة الملك لاداء الخارجية الاردنية في القمة العربية الاخيرة, وبخاصة في مرحلة التحضير في اجتماعات وزراء الخارجية العرب, بحيث تحول الاردن الى طرف متهم او كأنه الدولة التي تروج لعملية تطبيع عربية مع اسرائيل, واصبح الموقف الاردني في نشرات الاخبار وتحليلات الفضائيات في موقف لا يحسد عليه, فهو الذي يريد ان يذهب بالامة الى التطبيع, واصبح هذا الموقف مصدرا لاطلاق اسم قمة التطبيع على هذا المؤتمر, فضلا عما الحقته هذه المشاركة المنفعلة، كما وصفها الملك من سوء فهم لعلاقات الاردن مع بعض الدول ومنها السعودية الشقيقة.
ورغم ان القمة اقرت تفعيل المبادرة العربية التي صدرت في بيروت عام 2001 الا ان ما سبق هذا كان حديثا اعلاميا عن هزيمة للمبادرة او مشروع القرار الاردني، مع ان جوهر الامر واحد, لكن هذا التشوه في الاداء وما ألحق بالاردن من اتهامات كان نتيجة ادارة وزير الخارجية للموقف الاردني, فهنالك دول تمرر امورا سيئة في جوهرها لكنها تتقن الاخراج السياسي والاعلامي فتظهر وكأنها تقدم خدمة للامة, بينما لم يكن مشروع القرار الاردني سوى تكرار لمبادرات ومواقف عربية تسعى للتسوية والسلام مع اسرائيل, لكننا خرجنا وكأننا دعاة التطبيع والطرف المتهاون في دول القمة مع ان هنالك دولا تقدم مواقف سياسية تخدم التطبيع وترفع الضغط عن شارون لكنها اكثر ذكاء وقدرة على الاخراج.
ولعل هذا الاداء المنفعل كما وصفه جلالة الملك يفتح الباب لوقفات مع ملاحظات تم تداولها خلال الفترات الماضية؛ ومنها ما حدث خلال زيارة وزير الخارجية الى اسرائيل, وبعدما اثير من ملاحظات حول التصريحات الخاصة بسورية قيل انها كانت تصريحات مجتزأة, لكن هذا لم ينف ملاحظات قيل انها شكلية تتعلق بالظهور الاعلامي مع شارون او شالوم, فهناك اطراف عربية وفلسطينية تقول في لقاءاتها مع المسؤولين الاسرائيليين ما لا يقبله اي مواطن عربي لكنها لا تخرج على الاعلام لترسل انطباعات بهذا, او ترسل الابتسامات والود مع مسؤولين لحكومة ألحقت سياساتها اضرارا فادحة بالمنطقة ومنها الاردن ومصالحه السياسية والاقتصادية وحتى ساحته الداخلية.
في عُرف الحكومات فان وزارة الخارجية تمثل معقل الحكمة والاتزان في مؤسسات الدولة, فعندما يخطئ وزير الصحة او التنمية او الاوقاف فانها اخطاء مهما بلغت تصنف في المتوقع والطبيعي والقابل للاستدراك, لكن اي خطأ من الخارجية سواء عبر الوزير او السفراء يعني ازمة سياسية, ولهذا فأهم مواصفات هذا المعقل ان يدرك انه يمثل الاردن وسياسته وقيادته, وان وسائل الإعلام والدول الاخرى تفترض في كل جملة او ابتسامة او تصريح وكأنه يعبر عن سياسة القيادة قبل ان يكون موقفا شخصيا او تعبيرا عن قلة خبرة من سفير او وزير, وفي عالمنا العربي تمثل وزارة الخارجية موقعا موازيا لرئيس الوزراء ويمكث الوزراء عقودا وسنوات؛ فهم مستودع القرار الرسمي وجزء من راسمي سياسة الدولة كما يحدث في سورية ومصر والسعودية, واحيانا كثيرة يكون وزير الخارجية الاقرب في فهم رؤى ومحددات سياسة رئيس الدولة.
ان كثرة التوضيحات والاستدراكات والتصحيحات في اداء اي وزارة ليس دليل اداء متميز, فالاصل ان تكون الخطوات واضحة ومدروسة ومحسوبة وخالية من الارتباك وان لا تحتاج الامور الى تصحيح وتوضيح, فأحيانا يكون التوضيح تأكيدا لسوء الفهم وبخاصة اذا كان بذات آلية الموقف الاصلي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة