في احد الشوارع الفرعية في حي شعبي من احياء مدينة الزرقاء, اوقفت السيارة على يمين الشارع امام احد الدكاكين الصغيرة, لكن صاحب البقالة جاءني مسرعا طالبا مني عدم التوقف او ترك السيارة امام بقالته, قائلا ان المكان يجب ان يبقى فارغا من اجل عمليات التحميل والتنزيل, اي تنزيل البضائع من الشاحنات او تحميل ما يشتريه الناس من البقالة, فاستجبت لطلبه حرصا على الاقتصاد الاردني ومسيرة التنمية, لكنني عدت من باب الفضول ونظرت الى الدكانة فلم اجد فيها سوى كميات من (الشيبس) وعصير الاطفال, وبضعة رفوف تتناثر عليها معلبات وعلب حليب وشيء من الشعيرية والمعكرونة وباكيتات المحارم, اضافة الى ثلاجة تضم علب وزجاجات الكولا, اي ان عملية تحميل كل بضاعة الدكان لا تحتاج الى اكثر من نصف ساعة, كذلك تنزيل البضاعة او ما يماثلها, وكان صاحبها يجلس على الطرف الاخر من الرصيف على كرسي صغير يبحث عن دفء الشمس وعن طفل يركض نحو الدكانة لشراء باكيت شيبس (بشلن) او علبة عصير او حبة بسكوت.
لكن هذا الرجل الطيب الذي يحمل وهم التاجر الكبير, وكأنه يملك مجمعا تجاريا, قد نلتمس له بعض العذر، او انه يريد بقاء المساحة التي امام الدكان فارغة حتى يراقب بابها ويمنع تسلل طفل دون ان يراه, لكن وهم (التحميل والتنزيل) تمارسه فئات وهيئات وشخصيات وأمم ودول, حيث تعتقد بعض الامم والدول انها محور الكون, وان مسار العالم يمكن ان يختل اذا غمضت عيون هذه الدولة, او لم تكن قيادة هذه الامة او الدولة حاضرة في السياسة الدولية, واحيانا تسمع عن دول لا تملك زمام امرها من احتلال او ضعف بنية سياسية او اقتصادية, فتسمع خطابا وتهديدات ومراسم وشكليات لكيانات لا يسيطر رموزها الا على الميكروفونونات التي يطلّون منها على العالم بينما لا يأمن هؤلاء على انفسهم في الخروج خارج المناطق الخضراء والصفراء والزرقاء.
ووهم (التحميل والتنزيل) تمارسه احزاب وهيئات تعتقد انها مركز اصلاح المجتمعات, وان الامة دونها ستذهب الى التيه والضلال, بينما تعاني هذه الهيئات السياسية والاجتماعية من خلل اخلاقي وسياسي في بنيتها افقدها روحها وجوهرها, وجعلها ليست اكثر من هياكل تعتقد انها كبيرة بينما لم يتبقَّ منها سوى قوة الدفع الذاتي او ما يقال باللغة الشعبية فانها تتحرك (دحل) او لان ما حولها ضعيف, فالمقارنة بين فئات الضعفاء وليس بين موازين القوة.
وهذا الوهم تحمله شخصيات على مساحة مجتمعاتنا تعتقد في داخلها انها زعامات ورموز, وان عيون الجماهير تراقب افعالها وانجازاتها لتقتدي بها, وان الاوطان تتعلق انجازاتها وانتكاساتها بكلمة او موقف منهم, او ان عشائرهم لا يمكنها ان تكون شيئا الا عندما يتصدرون مجالسها او ان يكونوا ممثليها في مجالس الانتخابات او التعيين او حتى حفلات الافطار والاستقبال.
ما نقوله لا ينقص من قدر الهيئات والافراد المؤثرين لكن من المؤكد ان في محيطنا السياسي والاجتماعي كثيرا من حملة وهم (التحميل والتنزيل), ومن يعتقدون انهم محور حياة من حولهم, واصل القضية ان يوضع اي شخص او حزب وحتى الدول في موضع ليس لها او وفق أسس تجانب الحقيقة, فوهم الصناعة يوجِد وهم المكانة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة