في التراث السياسي الاردني واحاديث الناس انطباعات وقصص وحكايات عن الوزارة والوزراء والحكومات, وفيها ما ذكره احد الاساتذة الكرام عن خلاف جرى بين بعض الصحفيين ووزير الاعلام في بدايات السبعينيات, فاتجهوا للشكوى الى الحسين رحمه الله, فلم يتسن لهم مقابلته وكان لهم لقاء مع رئيس الديوان الملكي انذاك بهجت التلهوني الذي استمع لشكواهم وعلق متذمراً من (الوزراء الشباب) انذاك مطلقاً عليهم (وزراء النيدو) نسبة الى حليب النيدو, فهم وزراء لم يشربوا من حليب امهاتهم, ووزراء النيدو هؤلاء اصبحوا الان في خندق الحرس القديم, وتبدل المصطلح بوزراء الديجيتال, او جيل (الجل), واحياناً يوصفون بالشباب الحالقين رؤوسهم على الصفر, وفي يد كل منهم كمبيوتر يدوي, ويعرفون عن الانترنت اكثر مما يعرفون عن مدن الاردن وقراه وطبيعة مجتمعه, ويعتقدون ان الدنيا ليست اكثر من ارقام و(داتاشو) وفي التراث ايضاً قصة متداولة عن فلاح اراد ان يكرم وزيراً, فكان الخيار الاستراتيجي وهو العزومة وبيوت الشعر, واحتاج الفلاح ان يبيع عشرات الدونمات يوم ان كانت الارض رخيصة الثمن, واقام وليمة وحشد لها الضيوف والمعازيب, ولم يمض وقت طويل بعد العزومة حتى ذهبت الحكومة وطار الوزير, فحزن الفلاح حزناً كبيراً لانه احتاج الى بيع عشرات الدونمات حتى يتعرف الوزير الى اسمه, هذا يوم ان كانت العزايم هي الممثل الشرعي والوحيد للواسطة, وقبل ان تجتاح تكنولوجيا الواسطة بأشكالها ومستوياتها العديدة.
وفي التراث ما كان يقال عن ان من يتولى موقعاً وزارياً تدفع له الدولة (تحسين حال) لان احوال الوزراء يجب ان تكون غير احوال المواطنين, وكان الاعتقاد ان كل وزير يحصل على (20) الف دينار لتحسين احواله في بيته واثاثه وشراء بدلات وربطات عنق وربما ادخال زوجته الى عالم المجتمع المخملي, هذا يوم ان كان هذا المبلغ رقماً كبيراً وثروة, وقبل ان يتحول الى مبلغ صغير في مغلف يدفع صدقة في السر هدية تخرج لابن شخص مهم, او لتغيير سيارة فلان, وقبل ان تدخل البورصة الارقام الكبيرة التي تبني بيوتاً فاخرة, ومع ذلك فإن فكرة تحسين الحال ما زالت موجودة لكن حسب الظروف, ولهذا عملت مجالس نيابية سابقة على تشريع صرف تقاعد وزاري لاعضاء المجلس لمجرد دخولهم العمل النيابي, يعمل المجلس الحالي على تحسين احواله بالحصول على سيارات حكومية لم يبق في اتمام معاملتها سوى اختيار الالوان, وبعد كل هذه الحكومات التي تجاوزت (85) حكومة فقد اصبح المواطن هو من يستحق تحسين الحال. وفي التراث الحديث فإن الاردنيين تمر عليهم حكومة وتذهب ولا يكادون يعرفون وجوه واسماء بعض الوزراء, واذا كان الفلاح باع عشرات الدونمات ليعرف الوزير اسمه, فإن الاردنيين يدفعون جهداً كبيراً في الاستماع الى خطط واستراتيجيات لا يكاد صاحبها يكمل الحديث عنها وطباعتها حتى يتحول الى وزير سابق.
واخيراً فإن من الاخطاء المتكررة التي يمارسها السياسيون والمحللون مع مجيء اي حكومة جديدة انهم يتعبون انفسهم كثيراً في البحث عن دلالات سياسية وابعاد داخلية وخارجية لمجيء فلان او دخول علان الى ذلك الموقع, مع ان الامور ابسط من ذلك بكثير, وما يبذله المحللون من جهد في التفكير والتحليل قد يتجاوز الواقع؛ ربما ما نحتاجه التغطية المباشرة البعيدة عن العمق الافتراضي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة