إن كان يفرحني أن تتم زراعة آلاف الأشجار في غابة وصفي التل كتعويض عن الحريقين المفتعلين اللذين أصاباها قبل فترة وجيزة. فإنه لم يقنعني التوقيت الذي اختاره بعض الأخوة لغرس بعض الأشجار أحياء لذكرى استشهاده. لأن شعورا انتابني أن الأمر ليس إلا احتفالاً عابراً والسلام. فالزراعة في هذه الأوقات غير ملائمة ، وأكد هذا الشعور المهرجان الخطابي الحامي ، الذي تخلل عملية الغراس.

مع محبتي للزراعة والأشجار والغابات ، ومع شكري لأصحاب المبادرة ، إلا أننا أحوج إلى تطبيق حقيقي وعملي لفكر وصفي التل ونهجه ، وخصوصاً توجهه الفلاحي ، حيث ابجديات الزراعة أن نتفهم طبيعة الأرض ، وتحري الطقس لنجاح ما نغرس. ولهذا أتمنى أن يتم تجديد الدعوة لزراعة الأشجار في موعد الزراعة الملائم ، شريطة ألا يتخلل الأمر خطب منبرية وشعارات تعلو على الفأس والطورية (المجرفة).

الأمم العظيمة ذات الهمم العالية ، لا تحتفي إلا بذكرى مولد عظمائها: ولا تقف طويلاً عن ذكرى موتهم أو استشهادهم أو غيابهم ، ولهذا تمنيت في العام الماضي أن يصار إلى الاحتفال بذكرى بذكر ميلاد وصفي التل ، لا ذكرى استشهاده. واليوم أجدد ندائي أن تكون احتفاليتنا في العام القادم بذكرى ميلاده التسعين ، لا ذكرى اسشهاده الأربعين. فمولده يحشد الجميع حوله ، وحول نهجه ، ويثري الموقف الوطني ويشد من أزره.

لم أكن مولودا عندما استشهد ، ولكني في طفولتي كنت ألح على أمي لتخبرني عن صاحب الصورة الكبيرة المعلقة في بيت خالها ، ثم يبقى الإلحاح متواصلاً: فتكمل المشاهد وتصف كيف تحولت قريتنا الصغيرة آنذاك إلى بيت عزاء كبير وكيف رفع الناس رايات سوادء على بيوتهم لأسابيع طويلة. وما زلت أذكر الدمعة المرتعشة في عين أمي ، حين غنت لي (رفن رفوف الحجل رف وراء رف ، وخيل أصايل لفت صف وراء صف ، يا صويحبي يكفي عتب يكفي ، ويا مهدبات الهدب غنن على وصفي)،.

لا أقف طويلاً عند هذه الأغنية ، رغم شجنها ، فما يهمني أن وصفي كان رجل دولة ، بكل ما يحتويه هذا المصطلح من معان وقيم وظلال ، وأن هناك إجماعا شعبيا على قوميته ومحبته لفلسطين والأردن ، وعلى نظافة يده ، وبعد أفقه ، وبساطته ، وحنكته ، وقوة شخصيته ، وحبه للزراعة في وقتها. ولهذا أرى بأننا أحوج إلى إحياء سيرته بالعمل البعيد عن الاحتفالية ، وتسجيل المواقف.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية