قبل ايام اعلن وزير العمل السابق خلال لقائه وفدا كنديا ان الوزارة وبالتالي الحكومة لا تملك قاعدة بيانات دقيقة، وهذا يُعيق عمل الوزارة في مكافحة مشكلة البطالة, وهذا الحديث في احد جوانبه ايجابي؛ لانه يعبر عن صراحة ووضوح حتى وان كانت قد قيلت لوفد اجنبي, لكن الجانب الآخر هو اعتراف بخلل جوهري في عمل الحكومات التي تعلن دائما حربا على الفقر والبطالة، لنكتشف ونحن في عصر الحكومة الالكترونية وحوسبة كل شيء -حتى المواطن- ان الوزارة المعنية بالعمل لا تملك قاعدة بيانات دقيقة تشكل الارضية الضرورية لبناء اي سياسة او استراتيجية لمكافحة مشكلة البطالة, وهذا يعني ايضا ان اي مشاريع حلول قد تمت صياغتها كانت وفق بيانات غير دقيقة، وهذا ينتزع صفة الاداء العلمي المنتج عما تم الحديث عنه سابقا.
غياب قاعدة البيانات الدقيقة ليس أمرا جديدا، فقد سمعناه من وزراء سابقين تعاقبوا على وزارة العمل ووزارات اخرى معنية بالبطالة, لكن المشكلة ان يكتفي الجميع بالاعلان عن نقص المعلومات الدقيقة والشكوى من هذا الخلل. لهذا، فالصراحة لا تلغي المسؤولية بل تؤكدها, وهل تنتظر الحكومات ان تصحو صباح يوم ربيعي مشمس وتجد انها امتلكت قاعدة بيانات دقيقة?!.
لا نبالغ اذا قلنا ان الوزارات المعنية لا تملك ارقاما موحدة قائمة على مسوحات حقيقية لاعداد العمالة الوافدة في الاردن, هذه العمالة التي تضخمت بشكل عشوائي نتيجة الظروف السياسية الصعبة التي عاشها العراق الشقيق منذ بداية العقد الماضي, ولهذا فإن مبادرات الحكومات لاصدار التصاريح وتعقب المخالفين, واحيانا اللجوء الى حوافز بتخفيض الغرامات، كل هذا ليس اكثر من محاولة لمعرفة اعداد العمالة الوافدة في الاردن.
وما دمنا في اطار جهود الحكومة للتعامل مع مشكلة الفقر والبطالة، فإننا نذكرها بالتوصيات التي خرج بها المؤتمر الوطني الذي عقد في شهر ايلول الماضي, ومضى على عقده حتى الان سبعة اشهر. وما زلنا نتذكر التطمينات بأن هذا المؤتمر سيختلف عن غيره, وان اللجان ستترجم التوصيات الى واقع سواء في تشريعات او اجراءات, وان المؤتمر هو الطريق التي ستدخل الاردن مرحلة الحلول الناجحة لهذه المشكلة المركزية. سمعنا قبل اسابيع، وخلال زيارة رئيس الوزراء الى وزارة العمل, دعوة لتطبيق توصيات المؤتمر، ولا ندري ما الذي تم وماذا تم من انجازات، هذا اذا افترضنا ان التوصيات خضعت لمتابعة من قبل الوزارات او اللجان المعنية. وإذا كنا نفترض حسن الظن حتى يثبت العكس, إلا ان الصمت ومطالبة رئيس الوزراء بالتنفيذ تؤكد ان المؤتمر قد انفض, وذهبت توصياته الى الادراج.
القضية الاساسية ليست في تنفيذ التوصيات او اهمالها, بل في دلالة الامر. فوجود عمل منظم، واداء حكومي منهجي قائم على التخطيط والمتابعة وتقييم كل الخطوات، هو ما تشير اليه عملية تعامل الحكومة مع مؤتمر قدمته للاردنيين على انه خطوة كبيرة وانجاز لها في التعامل مع المعضلة الاقتصادية الاجتماعية, أما إذا كان المطلوب توصيات، فقد كان ذلك يحتاج الى عمل قليل في غرف مغلقة, وهو ما لم يكن تسويق الحكومة للمؤتمر, ولهذا فمن واجبنا ان نعيد التأكيد عاما بعد عام وشهرا بعد شهر للتذكير والرقابة، وحتى تتوقف الحكومات عن ارباع او انصاف الخطوات. نتمنى للحكومة ان تمتلك قاعدة بيانات دقيقة, وان ترى التوصيات طريقها للاهتمام، وإلا فان كل ما انفق على المؤتمر من مال وجهد واعلام وتصريحات، سيكون جزءا من الهدر الذي يجب ان يدقق فيه ديوان المحاسبة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة