بعد خمس سنوات من مغادرته وزارة البلديات، يعود الوزير توفيق كريشان اليها، لكنها عودة تحمل متغيرات كبيرة وكثيرة طرأت على البلديات، سواء بشأن قدرتها على الوقوف على اقدامها او الانجاز او على صعيد قانونها الخلافي الذي اقر مجلس الامة تعديلاً جوهرياً عليه مؤخراً.
 
والوزير القديم الجديد يحمل في جيبه "ورقة جوكر" ايجابية، تتمثل في ان له في ذاكرة البلديات مهمة الاشراف على اول انتخابات في عهد جلالة الملك عبد الله عام 1999، والتي كانت ذات مسار ايجابي شهد له بها اهل المعارضة، وتحديداً من الاسلاميين.
 وكانت تلك آخر انتخابات كاملة للبلديات. فقد تولى الامر بعد ذلك الوزير الاسلامي الشيخ عبد الرحيم العكور، الذي ابقى الامور على حالها، ولم يبادر الى حمل ملف الهيكلة، وحسناً فعل.
 فالوزير الذي تلاه في حكومة علي ابو الراغب قدم مشروع قانون مؤقت الغى فيه انتخابات البلديات، وابقى الامر جزئياً عبر انتخاب نسبة من اعضاء المجالس، مع اعطاء الحكومة حق تعيين الرئيس ونسبة من الاعضاء.
 
ودخلت البلديات مرحلة جديدة، بشّر اصحابها بها باعتبارها العصا السحرية لحل معضلة البلديات، حتى جاء تقرير او دراسة ديوان المحاسبة الذي قُدم إلى مجلس النواب قبل اسابيع، وكشف عن عيوب كبيرة وعديدة في واقع البلديات، بعد اربع سنوات تقريباً على تطبيق الدمج او الهيكلة.
 
ومشكلة البلديات تتلخص في امرين هامين: الاول، ان تكون مجالسها ممثلة للناس، ويتم فرزها عبر انتخابات حقيقية شاملة بعيداً عن التعيين.
 والامر الثاني، هو البحث عن حلول تكفل للبلديات القدرة على اداء واجباتها في خدمة الناس، عبر تأمين موارد كافية، سواء من الايرادات او الدعم الحكومي، وان لا تكون البلديات مثقلة بالديون. ويدخل في هذا الجانب استكمال معالجة القضايا البنيوية في اداء الكادر وتأهيله.
 
اما الامر الاول فقد تكفل القانون الجديد باعادة الامور الى نصابها، فيما يحتاج الامر الثاني الى جهد وتفكير وحلول حقيقية، تكفل للبلديات الخروج من دائرة التعثر او التحول الى مؤسسات شاكية تستدرج العطف على احوالها، وهذا هو الواجب الكبير على عاتق الوزير الجديد، وهو احد المعايير الحقيقية للحكم على ما سيقدمه.
 
وبموجب القانون، فاننا سنشهد هذا العام انتخابات بلدية عامة، وقد يستدعي هذا نظاماً جديداً للمناطق، وتفاصيل الانتخابات، وستكون التجربة الايجابية للوزير عام 1999 عامل اطمئنان تجاهه، لكنها ليست مقياساً وحيداً.
فالحكم على ما سيأتي، وهو ما قد يتطلب تعديلاً على بعض القضايا، مثل تحويل دور المجلس البلدي الى ما يشبه مجلس الادارة الذي يرسم السياسات ويضع الخطط ويراقب الاداء ويحاسب الادارة التنفيذية، وهذا يعني اعادة انتاج دور مدير البلدية ليكون شخصاً فنياً قادراً، يجري تعييه بعيداً عن المحسوبية والشللية، وان يكون للمجلس البلدي الدور الاكبر في تعيينه، وليس على شاكلة تجارب سابقة؛ عندما كان المدير هو عين الحكومة ورجلها في مجالس تمثل قوى المعارضة.
 
وما بين التداخل مع مخرجات لجنة الاقاليم واستحقاق الانتخابات القادمة، سيكون الوزير الجديد مطالباً بالتصحيح والاصلاح، وان يترك لمسة حقيقية على ملف لم يعد بحاجة الى تشخيص او تحديد لمفرداته.
 فالبلديات اصبحت حقل تجارب لتصورات مختلفة، بما فيها خيار الصمت والسلبية الذي مارسه بعض الوزراء، كما ان اعتماد الوزير على نجاحه في انتخابات عام 1999 لن يكون اعتماداً سليماً، الا اذا كان منطلقاً لخطوات مماثلة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة