لا تتركوه وحيداً 

 

قديماً كان العشاق لا يحبون القمر ، عندما يمسي بدراً ، رغم رومنسيتهم الطافحة ورقتهم الكبيرة. وحجتهم في ذلك ، أن القمر المكتمل المنير ، يحرمهم من حبيباتهم، ، ويفضح لقاءاتهم وغزواتهم ، وصولاتهم وجولاتهم. فيما يدعي آخرون أن من يلتقي بقمر أرضي ، طافح الجمال عامر الوجه ، كيف له أن يرفع عينيه إلى صفحات السماء ، ليقرأ قمراً بعيداً ، حتى لو كان بدراً مكتنزاً كرغيف المترفين.

حسب خبر زودني به الزميل الفلكي عماد مجاهد ، فإن قمر هذا الليلة سيصاب بخسوف جزئي ، ولكن بعد أن يغيب متوارياً عن الأنظار. وبما أن القمر لا يخسف إلا حينما يكون بدراً ، فسأجدها فرصة مواتية لأساهر قمراً سيكون متروكاً ووحيدا في صفحة هذه السماء الباردة. سأساهره علني أقنص تلك الهالة أو الدائرة ، التي يكونها حوله من غيوم وضباب ، والتي يسميها الفلاحون (القمر باني دار) ، ففيها بشرى للمطر. فإنتظرني أيها القمر. سأساهرك شوقاً للمطر.

ما زالت تروقني إحدى النظريات الفلكية ، التي تفترض بأن القمر كان في الأصل قطعة من أمه الأرض ، ثم انفصل عنها ، لكنه ظل متعلقاً بها ، ويدور حولها ومعها ، بل ويحاول كلما اقترب منها ، أن يسحب شيئاً من ماء الأرض إليه: علّ الحياة تدب فيه من جديد: ولهذا كان المد والجزر ، وكذلك كان تعلقنا به،.

العرب تقول عن الشيء المتاح والمتوافر ، ولكنه غير مستفاد منه: (أضيع من قمر الشتاء) ، أي أن القمر الباني دار ، الممتلئ كقصيدة شوق ، سيضيع في الليالي الباردة ، حتى لو كانت صافية ، فهو يأفل ويغيب ، وبعد أن يناغش بعض النجمات ، أو يطغى على شارع المجرة فيخفيه. ثم يتوارى مهدوراً دون أن يحفل به أحد ، أو يساهره أحد. كم أشفق عليك أيها البدر.

أحببت أن أناوش قمرنا الوحيد ، وشجونه وهالته ، لأنني أشعر بأننا في هذا الزمن الكسول بتنا لا نقرأ صفحة الليل ، كما ينبغي ، فقد أخذتنا مشاغلنا ، ولم نعد نرفع عيوننا عالياً. فهل سيفكر الواحد منا أن يرمي من يده الريموت كنترول ، ويخرج لقمر سهران ، ينطر على الأبواب ، والشبابيك والشرفات.

الليلة سيكون واسعاً هذا القمر ، واسعاً كقلب عاشق ، لم يلتق بحبيبته بعد. سيكون جميلاً كمعشوقة مرسومة في لوحة البال. وهذه فرصة أن نسهر معه قليلاً ، ونقطف منه قصيدة دافئة كشوق المطر. تعيننا على برد هذا العالم. فدائما في هذه الدنيا. ما زالت أشياء صغيرة ، تصنع لنا سعادة كبيرة. طاب يومكم ، وطابت ليلتكم،.

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية