حارتنا القديمة في كفرنجة ، ما زالت تحمل اسم حارة الحدادين ، ليس لأنها كانت مقراً لأكثر من كير حدادة (وهي مشاغل بدائية تستخدم نار الفحم الحجري لسنًّ الفوؤس وسكك الحراثة والمناجل والفواريع) ، بل لأن عائلات من دار حداد المسيحية كانت تسكنها متداخلة بعائلات المسلمين كتداخل أصابع اليدين ، أو كتواشج قفص الصدر. وما زلت أذكر حكايات جدي وأبي عن تلك العلائق القوية ، التي تمتنت وتوارثتها الأسر أباً عن جد.

ثم عشنا طفولتنا دون شعور بالاختلاف. ندخل بيوت بعضنا ، نأكل طعامهم ويأكلون طعامنا ، نشاركهم أفراحهم وأتراحهم ويشاركوننا. وفي أعياد الميلاد والفصح كانت تحرص أمهاتنا أن نلبس أجملَ ثيابنا وأجدّها ، وفي أعياد الفطر والأضحى يتزينون معنا بهجة وفرحاً. كانت الوشائج تتمتن باستمرار ، وما زالت.

الأخ القارئ مهند حداد من عرجان ـ عجلون علق بقصة طريفة على مقال الزميل ابراهيم القيسي (تعايش الأديان) يوم أمس ، قصة عن قريتهم التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب. فقديما عندما كانت تتزوج فتاة مسيحية بعريس من خارج القرية كان يقوم الشباب المسلمين بقفل الشارع وقطعه ، ولا يسمحون بخروج العروس حتى يأخذوا من أهل العريس (ذبيحة الشباب) ، وهو مبلغ من المال يزيدون عليه بدورهم ويضعونه بيد العروس هدية ، ونفس الدور يقوم به شباب المسيحية ، إذا كانت العروس مسلمة. فهل تأملتم كيف يعبرون عن أواصر التقارب والمحبة والأخوة بينهم؟،.

تذكرت هذه المواقف تسرية عن نفسي ، التي وقعت تحت صاعقة الحزن لضحايا تفجير الاسكندرية ، وما زالت تتحرق غضباً على الحركة الجبانة الخسيسة ، التي تريد أن تفتت لحمة التعايش السلمي العريق بين الديانتين في مصر بشكل عام ، وفي هذه المدينة الوادعة خصوصاً.

ولهذا أراني مع الدعوة التي أطلقها بعض الشباب المسلمين في مصر كي يشاركوا اليوم قداس الأقباط ، في كل كنائسهم بالمحروسة مصر. فليس أرق ولا أدفأ من أن يحمي المسلمون أخوتهم الأقباط بأجسادهم وأنفاسهم ودمهم. إنها عًشرة بُنيت على المحبة سنة إثر سنة ، فلا يجب أن تترك لمهب العابثين.

بعد محاولة اغتيال وزير الداخلية السعودي ، العام الماضي ، بوساطة انتحاري أخفى متفجراته في جسده الجواني. بعث لي أحدهم سؤالاً استفزازياً: بالله عليك ، كيف يمكن لمسلم أن يحشو مصرانه الغليظ ، بمتفجرات ، ليقتلَ بكل بُرود؟،. فكتبت له: يا عزيزي. عندما يُغسل الدماغ ، فإنك تستطع أن تملأ كل ثقوب الجسد ، بأي قذارة تريد،. إن الانتحاري لا يمثلنا نحن المسلمين. ديننا واضح لا لبس فيه ، ولا حشو ولا قتل. ثم من قال: إن للإرهاب دينا.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية