أيام كان الكلام عالياً ، كانت أحلامنا كبيرة ، وعلى مقاس يفوق نفوسنا التواقة. بل كانت أمتنا العربية موحدة تمتد في الحلم إلى منتهاه. أيام الكلام العالي كان السودان قارة مسكونة بالأمل. وكان هذا البلد عملاقاً في عيوننا وواسعاً وثرياً ، وكان سلة خبزنا ، ومائدة خضارنا ، ومراعينا الدائمة ، نحن الذين اعتادوا أن يأخذوا "بلاد العرب أوطاني" على محمل الجد. فاي خسارة أكبر من خسارة حلم؟،.

كأني أرى السودان مشطوراً. كأني أراه شطراً يتحفز أن يخسر شطراً آخر وآخر. اليوم الجنوب ، وغداً دارفور والحبل على الجرار. كأن الحلم صار كابوساً ينشب أظفاره في رؤوسنا. فهل سينفع أن نبكي كما بكى ملك غرناطة ملكاً ضاعاً لم يصنه مثلما تصان الأوطان؟،. هل سينفع لوم أو دمع أو عتب؟،. ياااااه. أي خسارة أكبر من خسارة حلم؟،.

مع طباشير المدارس ، علمونا أن السودان لو زرع سيطعم العرب حتى آخر معدة فيهم، ، فإذا به لا يطعم جياعه الذي شردتهم الحروب والكروب. وإذ به يستورد غالبية طعامه ، و"يبوّر" أرضه ، ويتركها للخواء.

وقالوا إن السودان قارة ، وسيصبح في ظرف عقود قليلة قوة باهرة وضاربة ، فإذا بكبر حجمه يتحول إلى معضلة تربك سيره وتقدمه ، وتجعله يتقهقر. وتجعله يتهدد بالانقسام والخراب. لماذا في كل دول العالم يكون كبر المساحة ميزة إلا في بلادنا؟،.

والآن سيحاول الباحثون عن شماعة أن يعلقوا فشل بقاء وحدة السودان بالقومية والدين ، مبررين أن جنوب السودان ليس عربياً مسلماً ، فلا ضير ان ينسلخ ، لعدم وجود التجانس والتوافق. فأي سخف هذا؟،. ألا تعرفون دولاً عظيمة هي خليط قومي وعرقي وديني. فأية حجة باهة يطالعنا بها المبررون؟،.

نحن فرطنا بكل شيء ، كي تبقى مواقعنا ومناصبنا سالمة من كل أذى ، فالموقع والكرسي أهم من وطن. وإلا لما فرطنا بالجنوب ، وهو بحر نفط وينتج نصف دخل السودان؟، ، لماذا فرطنا بعمقه الاستراتيجي في القارة السوداء. لماذا لم نحسبها اقتصادياً ، وذلك أضعف الإيمان؟،. لماذا تشاغلنا عن التنمية الجنوب؟، ، ولماذا لم نشعره بأنه منا ونحن منه؟، ، لماذا انتظرنا إلى هذه اللحظة ، كي نشهر هواجسنا ومخاوفنا. فالجنوب أول حبة تتدحرج من مسبحة مقطوعة.

أشعر بالحزن والغضب. أشعر بتوعك في الحلم.

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية