لم تعد قضية قانون النقابات في الموقف منه، فقد حظي برفض واسع وتخلت عنه الحكومة الجديدة، وذهبت الحكومة التي جاءت به. لكن هذا التشريع يصلح للدراسة كحالة سياسية في اداء الحكومات وتماسك مواقفها، بل وفي قياس الاداء السياسي للسادة الوزراء.
 
  وقبل ان ندخل في التفاصيل، فإننا نذكر ان قانونا بدلالات سياسية مثل هذا القانون، ليس مشروعا شخصيا لوزير الداخلية او غيره، بل هو موقف من اكثر من طرف في السلطة التنفيذية، فيما يتم اعطاء لواء تسويقه لوزير او مجموعة، وأن اي ضعف في التسويق او التمرير ليس في وزير بل في الحكومة كلها، واي صفات سلبية، من مخالفة للديمقراطية او توسيع للقمع، فهي ليست لوزير بل لكل طاقم الحكومة، بمن فيهم اولئك الذين ارتضوا ان يوافقوا على مثل هذا القانون، من الطاقم الوزاري السابق، حتى وان خالف قناعاتهم، فالعبرة بالموقف وليس بالضمير المستتر. وحين جاءت الحكومة الجديدة سارع رئيسها الى الاعلان عن نيته سحب القانون، وهي خطوة ايجابية لتحسين صورة حكومته. لكن هذا الاعلان حمل ادانة واضحة وصريحة لكل الجهات في السلطة التنفيذية التي قبلت بالقانون، وحاولت تسويقه، ولا ندري ايهما موقف الدولة السليم، أهو اصدار القانون ام سحبه؟ وما موقف انصار القانون السابق الذين دافعوا عنه باعتباره مصححا لمسار الديمقراطية وضابطا لما قيل انه تجاوزات النقابات؟
 
  لكن المفارقة ايضا في اشخاص الوزراء في الحكومتين، فالفريق الذي كان يسوق القانون الراحل كان يتألف من (5) وزراء غادر منهم ثلاثة وبقي اثنان هما وزير العدل السابق ووزيرة الثقافة، فما هو موقف هذين الوزيرين من سحب القانون، واي الموقفين هو السليم؛ الاول ام الثاني؟
 
  وفي الدائرة الاوسع، هنالك (12) وزيرا في الحكومة الجديدة جاءوا من الحكومة المستقيلة، وهؤلاء يفترض انهم وافقوا على مشروع القانون قبل احالته الى مجلس النواب. فهل كانت موافقتهم الاولى شكلية ام موافقتهم على سحب القانون كذلك؟ ام ان المواقف الخاصة بمثل هذه التشريعات ليست من شأن الطاقم الوزاري الذي اعطاه الدستور حق الولاية العامة على شؤون الدولة؟
 
  وحتى في رأس هرم الحكومة الجديدة، فإن نائب رئيس الوزراء كان رئيسا لديوان التشريع، الذي يفترض انه اخرج القانون فنيا ووافق عليه، وهو ما يجعلنا نتساءل مرة اخرى عن الموقف الحقيقي لكل هؤلاء المسؤولين؟
 
  وحين يعلن رئيس الوزراء قراره سحب القانون وهو لدى مجلس النواب، فإنه يقدم حكومته باعتبارها اكثر ديمقراطية وحرصا على العمل النقابي من مجلس النواب. ذلك ان المجلس لم يرد القانون واحاله الى لجنته القانونية، اي انه رأى فيه قضايا ايجابية واخرى سلبية.
 
  والقضية ليست في القانون الذي حظي برفض واسع، لكننا نتحدث عن الاداء السياسي وكيفية ادارة الملفات التي يفترض انها شائكة. ولعل تجربة وزير الداخلية مع هذا القانون ستصبح جرس انذار لكل وزير او مسؤول يحمل ملفا خلافيا، وسيكون التحفظ والحذر وغياب الحماس هو ما سيتعامل به العقلاء، خوفا من ان يتحولوا الى قرابين تقدمها الحكومات الجديدة للتقدم باعتبارها رافضة لسياسات الحكومات السابقة. ولهذا، فإن بعض من يهوون الامور السطحية يعتبرون ان وزير الداخلية السابق قد تلقى ضربة قاسية بسبب اندفاعه للقانون، لكن من الناحية السياسية فإنه كان واجهة الخسارة السياسية التي تلقتها كل الحكومة، بمن فيهم الذين عادوا في الحكومة الجديدة ونادوا بسحب القانون.
 
  هذا المثال في الاداء السياسي نقدمه لقراءة جزء من الحالة السياسية، التي لا تأتي فجأة ومن دون مقدمات، لكن ما يجري من ظواهر وممارسات غير مفهومة احيانا، هي التراكم الذي يؤدي في النهايات الى تكوين مسار في الاداء، ليس للحكومات فقط، بل حتى قوى المجتمع غير الرسمية.
 ولعل المثال الواضح في هذه القضية ان مبدأ الصوت الواحد اكثر فائدة للإسلاميين في النقابات، وكان من اسباب رفض خصومهم للقانون انه لم يأت بالقائمة النسبية، لكن الرفض العام والضجيج، جعل بعضهم  ينادي بالقائمة النسبية ويقبل بها من دون ان يتوقف عند اثارها البعيدة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة