مسيرة الحكومات التاريخية سجلت معدلاً منخفضاً لأعمارها لم يصل الى شهور السنة الواحدة، لكن تجارب حكومات مرت، خلال عقد مضى، افرزت ظاهرة وزراء الأشهر القليلة التي لم تتجاوز احياناً ثلاثة أشهر، وزادت الى خمسة او ستة أشهر، ومنها التعديل الأخير على الحكومة السابقة والذي جرى في 25/10/2004، واستقالت الحكومة في 5/4/2005، اي ان الوزراء الذين دخلوا الحكومة لم يقضوا اكثر من (5) أشهر.
واخيراً كان التعديل الذي خرج فيه وزير التخطيط السابق د. باسم عوض الله في شهر شباط الماضي، وجاء بالوزير الصمادي في موقعه، ليقضيَ فيه شهراً ونصف الشهر تقريباً قبل ان ينتقل الى وزارة دولة لتطوير القطاع العام.
واذا كان البحث عن حكومات جادة طويلة العمر جزءاً من ضمانات حسن الأداء والإنجاز، فهو بحث يحتاج الى شروط سياسية لم تتوفر حتى الان. لكن هل يمكن البحث عن وزراء ليسوا من فئة البضعة أشهر، بما يضمن أداء فنياً معقولاً في الوزارات؟!
ومما يزيد الامور سلبية ان فئة من الوزراء يأتون الى مواقعهم دون اي خبرة سابقة بالعمل الحكومي، وهذا يعني ان الوزير يحتاج الى اسابيع حتى يتعلم كيفية ادارة وزارة، وما هي تفاصيلها وكادرها ومهماتها وانظمتها وقانونها، فضلاً عن اوقات الفرح بالمنصب والزوار والمراجعين.
فماذا يمكن ان نتوقع من وزير ان يفعل في وزارة في بضعة أشهر؟ هذا اذا افترضنا ان لديه رؤية للعمل، وتصوراً لما يجب فعله، فكيف الحال اذا كان مندهشاً يتلمس طريقه، ويبحث عمن يرشده الى ابجديات عمل الوزارة.
لكن المهمة تزداد صعوبة اذا انشغل بتغيير اثاث المكتب والسكرتيرة، وبدأت تأتيه الواسطات لتغيير الامين العام، ودخل في دوامة الاجتماعات في مجلس الامة والرئاسة واللجان والسفر، فلا يصحو إلا على خبر الاستقالة او التعديل، فيخرج بلقب معالي وامتيازات الموقع، لكن الخسارة للعمل وللجهاز الحكومي الذي تتحدث الحكومات عن اصلاحه.
مشكلة القطاع العام ليست في موظف يقرأ الصحيفة اثناء العمل، بل في وزير يهبط على وزارة لا علاقة له بمجال عملها، ويبدأ بالتجربة فيها. وحتى لوقضى سنة فيها فانه يغادرها ليأتي صاحب تجربة جديدة اخرى. وحتى لو كان لديه ما يصنعه ويقدمه لوزارته فالأشهر القليلة لا تكفيه للبدء. ونتذكر تجربة وزراء في حكومة علي ابو الراغب قضوا ثلاثة أشهر فقط في مواقعهم وغادروها.
ان مثل هذا المسار يلحق ظلماً بمن يريد العمل ولا يجد الفرصة ممن يتولون هذه المواقع. كما انه يلحق ضرراً بالعمل ومساره والإنجاز المتوقع منه.
واذا كانت وزارة التربية لا تنقل معلماً بعد بداية العام الدراسي حتى يكمل الفصل او السنة، فكيف يمكن اعتبار وجود وزير في موقعه لاسابيع دليل عافية في الحكومات، وقدرتها على تنفيذ برامجها للاصلاح بكل جوانبه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة