رغم انزعاجي من رد الدعوى القضائية ، التي أقامها مواطن سعودي مصاب بالسرطان ضد شركات التبغ في بلاده ، لتسببها بمرضه الفتاك. وقد ردت دعواه لأنه باشر التدخين مختاراً على حد رأي المحكمة. إلا أنني سررت في الجانب الآخر من قرار مستشفى الملك المؤسس عبدالله الجامعي إحالة 10 أشخاص الى محكمة الرمثا لخرقهم قانون الصحة العامة رقم 47 لسنة ,2008

أعجبني قرار المستشفى الجريء ، فقد تعبنا أن يبقى هذا السم فاتكاً في صدورنا وهوائنا. تعبنا أن يبقى مستنزفاً الملايين سنوياً ، وحاصدا كل هذه الأرواح. تعبنا أن يبقى مواطننا المدخن مفرطاً بأنانيته ، ضارباً بعرض الحائط ، كل قرارات منع التدخين في الأماكن العامة ، ناشراً بلاويه على الجميع. تعبنا أن يبقى الأب يعبّ على سجائره بين صغاره غير آبه بحياتهم ، زارعاً فيهم بذرة ستفرخ مدخناً بعد حين. وتعبنا أن ترتفع نسب المدخنين في طلاب مدارسنا إلى أرقام مرعبة.

نشتكي الفاقة وضيق الحال. وهناك مدخنون يحرقون أكثر من ثلث مدخولهم الشهري بنفث اصابع الشيطان ، وحين يدور الحوار مع أحدهم يصب جام غضبه على الأسعار ، ناسياً انه يدخن بأجرة بيت ، أو بقسط سيارة ، أو بسفرة خارجية في السنة ، أو في رفاهية يضيفها إلى أبنائه. فهل يلتفت هؤلاء إلى أنفسهم ، ويقررون الفطام. وقد يقول قائل منهم إن الذي يعد العصي غير الذي يتلقاها بظهره ، فأرد عليه: بل تستطيع أن تتركه يا صديقي ، لأن كثيرين تركوه قبلك.

أعرف أنني لن أعجب بعض المدخنين ، ولكنني أعلنتها حرباً ضد هذه الآفة ، منذ زمن طويل ، ولن أتهاون في مقاتلتها ما استطعت السبيل ، لأني أرى أن التدخين ليس من الضروريات الحياتية ، خصوصاً في مثل هذه الظروف الصعبة التي تحيق بنا ، بل هو من الكماليات التي ضررها واضح فاضح.

الحكومة مطالبة بتفعيل قانون حظر التدخين ، ومتابعة تنفيذه فالأمر بحاجة إلى جلد وصبر ، فمن حقنا أن نركب حافلة خالية من التدخين ، أو ندخل قاعة عامة لا تغممها سحب المرض ، ومن حقنا أن لا يشعر غير المدخن أنه رهينة المدخنين ومعتقلهم. على الحكومة تفعيل هذا القانون كي لا يبقى حبرا على ورق.

لن أنسى ما حييت تلك الاحتضانة الشفيفة العفوية ، التي احتضنني اياها صغيري ، قبل أقل من شهر ، بعد أن غادرنا مجلساً كان يعج بالمدخنين. حين ركبنا السيارة أحسست بيدي طفلي تلتفان حول عنقي ، ثم أخذ يقبلني: شكراً بابا ، لأنك لا تدخن مثلهم،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور