حينما كانوا يقدًّمون لك القهوة السادة في الأعراس ، وأنت طفل بصحبة أبيك ، كنتَ تتعمَّد ألا تهزَّ الفنجان ، كي يسكب لك الصبّابُ رشفة أخرى. لكنَّ الأبله كان يتجاهل يدك الصغيرة فيكون عليك أن تبلع خسارتك ، لتتلذذ بمرارةً القهوة من فنجان وحيد. فأية ذاكرة فريدة تتركها فينا هذه القهوة؟،.
كنت تسلخ وقتا طويلاً ، تراقبُ جدك المندغم بتحميص القهوة الخضراء (بالمحماسة) فوق الجمرات الراقصة حمرة ولهباً. وبعد أن تبرد حباتها القهوة المتعرقة ، ويتطاير دخانها غيماً في أرجاء البيت الطيني. كان جدك يلقمها لفم المهباش بروية وتأنْ ، ثم تبدأ سمفونية دق القهوة على مقام الكيف ، فترقص قدماك ، ويترنح رأسك منتشياً. فأي طرب تتركه فينا هذه السيدة؟،.
وتتابع جدك حين يضيف حفنة من القهوة المدقوقة للدلة المركونة بطرف كانون الجمر ، ثم يدق حب الهال ليلحقه برفيقته. وبعد أن تأخذ حقها بالراحة ، كان يسكب لك فنجاناً ، ويطرقه بطرف الدلة مخرجاً نغماً ويقول: الفنجان الأول للضيف ، فترشفه على عجل فيمنحك الثاني: وهذا للكيف ، والثالث: وهذا للسيف ، وأنت كان يعجبك أن تستنفد كل المتاح من مرات تقبيل الفنجان.
وعندما تسأله لماذا هذا التقسيم يقول: الفنجان الأول يعني ، أنك ضيف ، والثاني أنك على أتم الاستعداد أن تدافع عن شرف صاحب هذه القهوة بسيفك إن لزم الأمر ، والثالث أنك تحب القهوة للكيف،. فأي قوة تخلقها فينا القهوة ، وبأي كيف ننتشي؟،.
وحينما كنت أصغر من ذلك كان أبوك يناشدك أول الشعر بلسان القهوة (أنا المحبوبةُ السمراء وأجلى بالفناجين ـ وعود الهند لي عطر ، وذكري شاع في الصين) ، حينها كنت تبني أبياتك الشعرية الأولى فوق هذا العبق القهوائي ، وتحلًّق إلى الصين التي كنت تعتقد أنها وراء الجبل. وحين كان أبوك يدعك - على غفلة من أمك - ترشف رشفة من فنجانه: كانت ترتعش الضحكات في رأسك كعصفورْ مبلول: أتذكر.
ولما غافلت أمك التي ودًّعت ضيوفها وطوفت على الفناجين فنجاناً.. فنجاناً ، تشرب بقاياها وتمصَّ ثفلها ، بلذة ثم ترفعُ الفنجان عالياً ، فوق فمك الفاغر: كي يقطر آخر قطراته ، وحين تضبطك أمك متلبساً تنهال عليك بالقبلات ، ماسحة عن وجهك ، شاربيك الغليظين ، ولحيتك القهوة،. فأي ذاكرة تبقيها فينا هذه العابقة؟،.
وها أنت صرت لا تأخذ قهوتك إلا وحدها ، بعد أن تلوعها تقلَّباً على نارْ هادئة سبع مرات ، ثم تسكبها بفنجان أبيض مثل عروس. أبهذا سيزهر الشًعرُ بين أصابعك كجمرة أيها العاشق الملتاع. فسلام على دمنا الثاني ، سلام على قهوة في العالمين،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية