اسمحوا لي أن أقول للسيد (مالك الحزين) ، إنك أحمق ، وابن أحمقين. يا رجل لديك جناحان ضاحكان مثل شراع واسع ، وتخاف وترتجف ، وتحزن. يا رجل اشرب وعب من الماء كيف تشاء ، وحلق في عباب الغيم ، وطُف في أروقة الدنيا ، وامخر عباب الحياة. فالسماء أجمل ، ومنها سترى ماء كثيراً ، وبحيرات وبحاراً.
طائر البلشون ، الذي يعيش على أطراف البحيرات والمستنقعات ، اشتهر باسم (مالك الحزين) ، ليس لأنه فقد زوجته بحادث سير على الطريق الصحراوي ، أو لأن أخاه قتل أخاه في زفة عرس برصاصة طائشة ، ولا لأنه خسر في البورصة قبل عامين. بل سمي مالك الحزين بهذا ، لأنه إن شرب ، لا يشرب حتى يرتوي، ، بل يمج مجة صغيرة ، بطرف منقاره: فهو يخاف أن ينقص الماء وينفذ ويضمحل ، فلا يقدر بعدئذ على العوم ، ولهذا يظل حزيناً ، إلى يوم يبعثون،. فأي أحمق هذا،.
ولربما حالنا في أكثر الأحيان هي الحزن والخوف ، ولهذا نحيا التذمر والتشكي والتباكي والتحسر ، والتفكير كثيراً بنفاذ ماء حياتنا. فكثيرون يسهبون في الحديث عن أوجاعهم وآلامهم ومصاعبهم وبلاويهم ، حتى يتآخوا معها ، أو يصاهروها أو يتزوجوها ، وباتوا يتمتعون بسردها ، واجترها في كل آن وزمان. وهذا يجعلنا في العادة خرساً وبكماً عن أفراحنا ومسراتنا ، حتى لو كانت صغيرة ، فلا نتقن بثها والتمتع ببوحها أو عيشها،.
في العادة نتخذ عدسات محدبة ومقعرة: لنرى الأشياء على غير حقيقتها. فعدسة محدبة نحدق بها إلى أحزاننا: فتبدو أكبر من واقعها ، وتتضخم حتى تملأ حياتنا وتقتلها خنقاً. والعدسة المقعرة نحملق فيها إلى أفراحنا القليلة ، ومسراتنا الصغيرة: فتصغر أصغر حتى تتلاشى وتتشتت. فلا نحيا حياتنا كما ينبغي ، ونصبح مثل مالك الحزين ، لا ماء شرب ، ولا سماء قطع،.
بعبارة أكثر وخزاً: حزننا دائماً يملأ جرة حياتنا حتى الترقوة، ، نكرعه باستمرار واستمرأ ، حتى على غير عطش ، فلا نحيا يومنا بعيداً عن سقطات ماضينا وهفواته ، ولا نحياه بلا تشاؤمنا من مستقبلنا الآتي: فنضيع ضياعاً مضاعفاً، ، حتى غدت حالنا كحال جداتنا القديمات (بعضهن طبعاً) ، اللواتي عشن ومتن على التذمر والتشكي ، انسياقا مع المثل: هاظا إنت يا جدة ، كان في الرخا ، ولا في (الشًدة)،.
لماذا لا نرم عكاكيزنا العوجاء بعيداً ونمشي على سجيتنا. لماذا لا نكسر جرار حزننا ونقذف كيزانها بعيداً ، ونشرب بحفناتنا ما تيسر من ماء الحياة. لماذا لا نخلع نظاراتنا السميكة كقيعان الكؤوس ، ونرى العالم ونحيا الحياة، ، فلمرة أتوق أن نحلق بأجنحة التفاؤل ، بعيداً عن نتن الماضي ، فالمستقبل هو الأجمل ، وعليه الرهان،.
طاب نهاركم.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور