«البيبي» ثانوية 

 

إذا كان صحيحاً ما قاله نابليون بونابرت ، عن استعداده التام لخوض غمار مئة معركة بكامل عدتها وعتادها ، على ألا يدخل قاعة امتحان بورقة وقلم ، ويدين راجفتين. إذا كان هذا القول صحيحاً ، فهو يشعرنا بقليل من التعزية والتسرية عن النفس. فالكل يعي الرهاب والخوف الكبيرين اللذين يرافقان الطلبة قبل وحال دخولهم قاعات الثانوية العامة ، كونها "البعبع الأكبر" الذي يرعب مجتمعنا في السنة مرتين.

وكما نتمنى للممتحنين التوفيق والنجاح ، لتخطي هذه العتبة ، وشق طريق نحو المستقبل ، فإننا نحيي الجنود المجهولين الذين يعملون بصمت على إدارة ومراقبة هذه الامتحانات ، رغم ما تسببه من شد للأعصاب ، وتعب نفسي ، وبأجر قد لا يتناسب مع صعوبة وأهمية عملهم. فتحية إضافية لكل الذين يقفون سداً بوجه كل عملية غش ، يدفع المجتمع ثمنها من مستقبله.

ولأن الحرب خدعة ، فسيحلو للبعض أن يتعاملوا مع هذه المقولة بكل سطحية ، بل ويمزجونها بمقولة بونابرت ، ولهذا يقرون بأحقيتهم بممارسة فنون الغش في الامتحانات: كونها ليست أقل من معارك حقيقية ، ولهذا فإننا نسمع الكثير عن هذه الفنون والدهاليز ، ونستهجن فروسية بعض الطلبة وفهولتهم ، في هذه المهمات. وإذا كنا واثقين من إيمان رجال التربية والتعليم وأمانتهم بالوقوف بوجه كل محاولة غش غاشمة ، إلا أن هذه الجريمة تمارس وتأخذ حيزاً واضحاً في امتحاناتنا. ويكفيك أن تمر بقرب قاعة امتحان ، لترَ وتقدر حجم أوراق الغش المتطايرة في الريح.

رأيت شاباً يفتش باجتهاد في أوراق صغيرة متناثرة قرب جدار مدرسة بها قاعة امتحان للثانوية ، وعندما استفسرت منه عما يبحث ، أجاب إنه يجمع أوراق الغش ، التي يتخلص منها الممتحنون حال خروجهم ، فهو سيقدم الثانوية في العام المقبل ، وبهذا يكون جاهزاً لدخول المعركة بكل سلاحها: خوش استعداد.

ثم أسر لي أن بحوزته كتباً صغيرة أطلعني عليها ، وهي كتب المنهاج المدرسي للثانوية العامة ، بأبعاد لا تتجاوز مساحتها نصف راحة اليد وأصغر ، اسميها "البيبي ثانوية" ، يتسلح بها بعض الممحتنين لأنها سهلة الدخول للقاعة ، ويسهل التعامل معها ، وإخفاءها. إنها كتب مصغرة بآلات الاستنساخ ، وتباع في بعض مكتبات القرطاسية عينك عينك،.

أنا متعاطف مع الطلبة التوجيهي ، ولكني أكثر تعاطفاً مع المجتمع الذي سيتلقى صفعة غشهم حين ينخرطون في خدمته. فتصغير الكتب جريمة أمن دولة ترتكب بحق البلد أمام سمعنا وأبصارنا ، دون أن نحرك ساكناً.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية