شبع وسينام 

 

يمتلك البعوض جهازاً حساساً لتحليل الدم ، فهو يحبذ ويعشق مصّ فصيلة معينة بجانب امتلاكه جهازا متقدما لتمييع الدم في جسد الضحية: ليسهل امتصاصه بخرطومه المشابه لخرطوم الفيل ، ناهيك عن جهاز التخدير الموضعي ، الذي يجعله يحط ضيفاً خفيفاً على جلودنا ، دون أن نشعر بأنه يمتصنا ويوغل في دمنا،،.

وقريباً من مزايا وخصائص البعوض ، فقد أوقع السلطان عبدالمجيد العثماني ، عقوبة قاسية ولائقة بأمين خزانته الذي ثبت تورطه بالنهب والاختلاس ، والرتع في الملذات والمسرات والنساء، ، والإسراف في البذخ الفاحش،.

العقوبة الذكية تقضي بأن يُحلق رأس الوزير ، ويطلى بطبقة عسل ، ثم يغطَّس جسده بمستنقع آسن حتى ترقوته. ليبدأ باستقبال أسراب البعوض الشرس. وأمر السلطان جندياً أميناً ليبقى جانب الوزير المعاقب ، حتى يسلم روحه. فما من شك أن البعوض لن يبقي به قطرة دم قبل طلوع الفجر. جزاء وفاقا.

في الصباح وعلى غير المتوقع لم يمت الوزير المختلس ، فاستغرب السلطان واستهجن ، وطلب من الجندي أن يصدقه القول ، ويخبره بالذي جرى بكل أمانة وصدق. فقال: يا مولاي ، إنه عندما حلَّ الليل ، هجمت أسراب البعوض ، وغطت كامل رأس الوزير ووجهه ، وشكلت ما يشبه القناع الأسود. وكنت أحسّ بتلويه وتعصره تحت وطأة الألم والوجع ، وكأنه ذيل سحلية مقطوع.

وقد أخذتني في لحظة عابرة ، شفقة عارمة على الوزير ، فهممت أن ألوّح بمنديلي ، كي أطرد أسراب البعوض عن وجهه ورأسه ، للحظة واحدة على الأقل ، كي يخف ألمه ، فما كان منه ، إلا أن أشار لي برأسه يمنة ويسرة ، بأن لا أفعل هذا: ثم همس لي: إنه قد شبع وسينام ، دع البعوض وشأنه ، أرجوك يا سيدي،.

التقط السلطان عبدالمجيد هذه الفكرة العظيمة ، وأمر بأن يفك وثاق الوزير ، وأن تعاد إليه كل امتيازاته ومخصصاته ، وأن يعود إلى سابق عمله ، وزيراً للخزانة ، وكأن شيئاً لم يكن،،.

وعندما عاتب أحد الحكماء السلطان على إعادته للوزير المختلس لمركزه ، حكى السلطان له القصة كاملة ، قائلا: تصوّر لو أن الجندي لوح بمنديله وطرد البعوض الشبعان عن رأس ووجه الوزير ، فحتماً كانت ستحل مكانها أسراب بعوض أخرى جائعة. وهكذا ، ماذا ستكون النتيجة؟،. حتماً كان سيموت الوزير ، ولن تبقى به نقطة دم حتى الصباح،.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية