جملة قصيرة عفوية، خالية من التعقيد، قالها رئيس الوزراء خلال لقائه مع الكتاب ورؤساء التحرير قبل ايام، في رده على انتقادات حول تشكيلة حكومته، حين اعلن انه لم يكن يتوقع ان يأتي الى هذا الموقع، وانه تلقي اتصالا يحدد له موعدا للقاء جلالة الملك، وانه توقع ان يتم الحديث معه في قضايا خاصة بالتعليم العالي وليس تشكيل حكومة، ولم يكن امامه اكثر من (24) ساعة لتشكيل الحكومة. وهذه الاقوال العفوية تقودنا الى قانون غير مكتوب، حول الامن الوظيفي وعلاقته العكسية مع الموقع وقيمته.      
فالصورة المقابلة لما قاله رئيس الوزراء هي إقالة الحكومة، وقبلها حكومات. ويروي اهل الخبرة حكايات عن رؤساء حكومات علموا باستقالة حكوماتهم عبر نشرة اخبار، واخرين كانت تصلهم تأكيدات بأنهم في وضع جيد، ومن تحت اقدامهم كانت تجري مشاورات الحكومات الجديدة. وهذا الامر يهبط بنا درجة الى السادة الوزراء، الذين يرتبط أمنهم الوظيفي بأمن رؤساء حكوماتهم، مع خصوصية وتميز بأن فرصة الوزير في الاستمرار في العمل اكبر من رئيس الحكومة، إذ من الممكن ان يستمر في الحكومة القادمة.
 وهكذا يستمر الامر من موقع الى ما هو ادنى منه، وكلما تركنا المواقع الكبرى زاد الامن الوظيفي. فالامين العام لوزارة مثلا، ينتابه القلق كلما تغير الوزير، لان هناك عرفاً بأن كل وزير او رئيس جديد في جيبه قائمة اسماء يود تعيينها و"تزبيطها"، وكذلك المديرون العامون! لكن هذا القلق يقل عند رؤساء الاقسام ومديري المديريات، واكبر منسوب للأمن الوظيفي هو لدى الموظف العادي، الذي لا يشكل تغير ما حوله الكثير له، ويعلم انه سيقضي سنوات خدمته بغض النظر عن الوزير والامين العام، او حتى رئيس الحكومة، ولم نسمع يوما عن قلق ينتاب موظفاً صغيراً او مراسلاً او سائقاً عند تغير وزير، لكن هذا القلق جزء من استحقاقات المواقع الكبرى. فالكبار يصرف لهم مع امتيازات المواقع، والدرجات العليا، والسيارات، والسائقين كميات من القلق والخوف وضعف الامن الوظيفي تتناسب مع مكانة الموقع.
  وهذا القلق وضعف الامن الوظيفي لدى اصحاب المواقع الكبيرة ليس مرتبطا بمواسم التغيير، بل هو امر مستمر، والاشاعات او "الحفر" او التحريض على مسؤول، ووضع اسمه في قائمة القرارات المتوقعة يبقيه في حالة توتر وقلق خوفا من ان تتحول الاشاعات الى قرارات، او ان يتحول التحريض الى قناعات. وكبار المسؤولين يعانون ايضا من خوف من الاخطاء، وفهمها، وتفسيرها. وهكذا، فان القلق والخوف، وعمليات استقبال الاقاويل، او الهواتف الغاضبة، او الرسائل الغامضة، جزء من مستلزمات المواقع الكبرى، لكنها غير مكتوبة في نظام الخدمة المدنية.
  والسادة رؤساء الحكومات يعانون الكثير في هذا المجال، بخاصة ان الغالبية العظمى منهم لا تؤمن بالاستقالة الحقيقية، وعليها انتظار الترحيل، الذي يأتي غالبا مثل الازمة القلبية، مفاجئا دون كثير من المقدمات. لكن ما بين كتاب التكليف ورسالة الشكر حالة من القلق في مواجهة الاشاعات او التحليلات، وبخاصة اذا دخلت الحكومة، او أدخلت نفسها، في ازمة او توترات، او كثرت خلافاتها الداخلية. ويجد الرؤساء عادة في التعديل الوزاري فرصة لالتقاط الانفاس، او الشعور بالأمان, مع ان التجارب اثبتت ان التعديل قد لا يعني أمنا لأكثر من عدة شهور.
  ما نقوله ليس محاولة لاستدرار العطف على الكبار في مواقعهم، فالوزير او الرئيس او المدير او الامين العام، يسعى سعيا لهذا الموقع، وقد يتقاضى تقاعدا سياحيا في زمن قصير، اضعاف ما يحصل عليه موظف يقضي عشرات السنين في الخدمة، فضلا عن الامتيازات الاخرى المعلومة، لكنه جزء من الوصف للحالة، مع فارق مهم، هو ان المدير او الامين العام او الرئيس او الوزير، الذي يعمل بإخلاص، وبما يستحقه الموقع، قد يلحق به حجم اقل من القلق والخوف، وبخاصة اذا لم يستطع ان يقدم ما يريد، إذ قد يجد نفسه مرتاحا للرحيل والاقامة، خوفا من ان تمر السنون دون ان يحقق انجازا، وما يفترض ان يأتي اي مسؤول لتحقيقه عندما يتولى اي موقع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة