مما يرويه الاستاذ طاهر المصري عن تجربة حكومته عام 1991، وبعد ان توافقت أغلبية برلمانية على مذكرة ضد حكومته، انه ذهب الى جلالة الملك الحسين، رحمه الله، الذي أعلن دعمه للحكومة، واستعداده لحمايتها، حتى ولو عبر حل مجلس النواب. لكن الرئيس المصري ابلغ جلالة الملك انه اختار حماية العملية الديمقراطية، وقدم استقالة حكومته. وكان ذلك قرارا صعبا، لكنه اكثر قربا إلى العمل الديمقراطي، حتى وان كانت حماية حكومته عبر حل المجلس عملا دستوريا.
وما تعانيه الحكومة الجديدة الان وصل الى حد الازمة السياسية، إذ اصبح من الواضح اصرار نواب المذكرة الـ(45) على موقفهم الذي لا يلبي مطالبه تعديل وزاري لارضاء الجغرافيا المنسية، وان مشكلة الحكومة مع هذه المجموعة النيابية الكبيرة ليست شكوى جهوية، بل رؤية سياسية وطنية، ترفض رؤية وبرنامجا واشخاصا في الحكومة. وان رحابة صدر الرئيس، وتأكيده الدائم على التعاون مع السلطة التشريعية، لا يكفيان لتجاوز هذه الازمة، التي يعني استمرارها فقدان الحكومة للقدرة على العمل والانجاز، فضلا عما تعانيه من شعور بالارتباك والقلق السياسي.
لقد استطاع هذا التجمع النيابي ان يقدم مفاجأة سياسية من العيار الثقيل لكل الاوساط السياسية والشعبية، بقدرته على الصمود، وبخاصة ان صورة افراد هذا التجمع بأنهم موالاة، عميقة، ومن النوع التي يجمعها ويفرقها الخلوي. لكن الاداء المتماسك، والرؤية الواضحة لم يسببا حرجا للحكومة فقط، بل ولقوى نيابية مترددة في الانحياز لهذا التجمع، إضافة إلى قوى اخرى اعتقدت ان بإمكانها ممارسة ذكاء وانتهازية سياسية، لاستغلال غربة الحكومة عن الموالاة، واصطياد مكافآت، وهذه القوى تظهر بشكل خاسر ومعزول كلما ازدادت قوة تأثير نواب الحجب.
وبعد لقاء الثلاثاء المخيب لظنون الحكومة، فإن الخيارات اصبحت محدودة. الأول، ان تعلن الحكومة استقالتها، احتراما لخيارات سياسية تمثلها هذه القوة النيابية، وبخاصة ان الحكومة تعلم ان هناك عشرين نائبا على الاقل سيحجبون عنها الثقة اضافة الى الـ45 الموقعين. وهذا الخيار يقدم للحكومة ممارسة في احترام خيارات السلطة التشريعية، واستباقا لمواجهة لا تبدو انها في مصلحة الحكومة.
الخيار الثاني ان تسرِّع الحكومة في عقد الدورة الاستثنائية، وتقدم بيانها، وتعطي للمسار الدستوري حقه في الاستمرار، تأكيدا لما تقوله من انها حكومة دستورية، وان المشاورات ليست استحقاقا دستوريا عليها. وبهذا، تترك الامور تسير الى نهايتها. وربما تحاول استغلال قدراتها في اختبار مواقف القوى المبتسمة لها، من المعارضة التقليدية او ذات العلاقات التاريخية مع الرئيس.
اما الخيار الاخر، فهو ان تطلب الحكومة الحماية من مؤسسة الحكم، وان ترفع يديها معلنة عجزها عن الحصول على ثقة مجلس النواب. وهذا الامر سيضع القضية امام خيارين صغيرين؛ اما الحكومة الضعيفة المنهكة من اول مواجهة سياسية مع النواب، او مجلس النواب الذي يمارس حقه المشروع في تقييم الحكومة ورفضها او قبولها.
والخياران الاخيران يفرزان استحقاقات صعبة. فحماية الحكومة ودعمها على حساب النواب سيمنحها الاستمرار، لكن بما يشبه المريض الذي يعيش على الاجهزة، ويرتبط موته او حياته بقرار الطبيب، وليس بقدرته على الحياة. اما منح النواب القدرة على ترحيل الحكومة، فسيعني شعورا بالنشوة والنصر للمجموعات التي قادت التحرك، وهزيمة للمترددين واصحاب نظرية الاستغلال وانتهاز الفرص، كما أنه خيار له استحقاقاته. وربما يكون الخيار الاصعب هو التضحية بالحكومة الضعيفة والمجلس المتمرد. فالحكومة الضعيفة عبء على مؤسسة الحكم، والمجلس المتمرد قصة اخرى.
الحكومة في مأزق حقيقي، وتعاني من أزمة كبرى، وخياراتها صعبة، لكنها مطالبة بقرار يخص وجودها. ولا يقلل من حجم مأزق الحكومة اي نشاطات اخرى، مثل لقاءات لتطوير قطاع النقل، او حتى الزيارات الخارجية، بخاصة وان النواب ليس لديهم ما يخسرونه. فالمجلس يملك صورة سلبية في الشارع، وما يجري فرصة لتشكيل انطباع ايجابي، والعام الثالث نيابيا من عمر أي مجلس هو بداية التسخين للانتخابات القادمة، ولعلها فرصة للنواب لتقديم اداء سياسي كان أصله عملية الاستفزاز، الذي سببته تركيبة الحكومة، لقوى اجتماعية وسياسية، ربما يتجاوز جزئية نسيان بعض المناطق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة