وصف جميل ومعبر كانت توصف به الشام في عقود مضت، بأنها "بلد الفقير". وهذا التعبير يعني ان هذا البلد لم يكن يضيق بالفقراء، وان هذه الطبقة يمكنها ان تضمن، بدخلها المتواضع وفقرها، فرصة للعيش المعقول والكريم، من طعام وشراب وملبس ومسكن، كما ان اصحاب الغنى والمال يمكنهم ان يجدوا ما يريدون، وان يستمتعوا بنعم الله.
ومشكلة المجتمعات والدول ليست في تلبية حاجات الاغنياء وابناء الطبقات القادرة، فهؤلاء يمكنهم تأمين ما يريدون من حياة مترفة بأموالهم، وان ضاقت عليهم بعض انواع الترف، حملتهم نقودهم اليها في عواصم العالم المختلفة. لكن معيار قوة الدولة ورخائها وحسن ادارة مواردها ان تكون بلداً للفقراء، لا ان تضيق الدنيا على الفقير، بحيث يصبح الحصول على الحد الادنى من متطلبات الحياة معاناة، أو مستحيلا، او ان تصبح الطريق إلى هذه الحياة غارقة في اراقة ماء الوجه، وان يصبح الفقير وفقره مادة سياسية واعلامية، يظهر عبرها السياسيون طيبة قلوبهم، وحسن احساسهم بهؤلاء المحرومين.
ومقياس قوة الدول ليست في صناعة البناء الجميل، ونشر المجمعات التجارية الفاخرة، وتصويرها وعرضها في افلام ترويجية، بل في ان تجد حلولا لاصحاب البيوت التي بلا سقف، أو دون ابواب، او التي تجتمع في مساحتها القليلة أماكن النوم والطبخ وغرف الضيوف، وعدتها "بابور"، وغاز صغير مع مجموعة من الصحون، التي تبدو كأنها تعرضت لدهس من سيارة مسرعة، وخزانة ليست اكثر من مجموعة من "بُكس" الخضرة، تغطي واجهتها قطعة قماش متعددة الاستعمالات.
يختل ميزان أي دولة اذا أصبحت اكثر اتقانا لصناعة الاثرياء والباذخين، وزيادة مساحة اصحاب الملايين، بينما تعجز عن وقف الزيادة في مساحة الفقر والفقراء. فالدولة التي يتعمق فيها البذخ والثراء في طبقات، ومن نفس المقدرات التي تكون مبررا لزيادة مساحة الفقر والمحرومين، ولا تجد حرجاً في منح مقتدر المزيد من المال، او تفتح له باب الثراء عبر اختراق تعليمات او قانون، بينما لا تجد ذات الحرج في محاصرة حق الفقير في خبز رخيص، أو دفء للشتاء ميسر دون غلاء، او حق في فرصة تعليم للابناء لا تترافق مع استخدام جائر لدفتر العائلة على ابواب الجمعيات واهل الخير، او تلك الصناديق الطلابية التي لا تغطي عورة قرارات تجعل من التعليم سلوكاً برجوازياً، مثل هذه الدولة تحتاج الى مراجعة لأسسها ومسارها.
"بلد الفقير" أحد مقاييس الحكومات الناجحة وبرامج الاقتصاد المثمرة. فلا معنى لكل اشكال السوق الحرة والانفتاح او الاشتراكية، وغيرها من مدارس ادارة المجتمعات، ما دامت لا تجعل الفقير آمناً في الحصول على حقه في طعام وشراب ومسكن وتعليم وصحة له ولابنائه. وإذا أصبحت هذه المتطلبات صعبة المنال، او يتم الحصول عليها من صناديق عون وصدقات، فإن هنالك مشكلة في اصل ادارة المجتمع. فالمعيار ليس ان يجد الثري سوقاً ليشتري منها سيارة بمئة الف دينار، بل ان يجد فيه الفقير حق الفرح بتعليم ابنه دون صدقات. ولهذا، فإن حكوماتنا، وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية، على محك ان تكون قادرة على ان تكون بلادنا بلاداً للفقراء كما هي للاغنياء، فهل نحن بلاد الفقراء؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة