مهما تكن امتيازات والقاب المواقع، فانها لن تكون طريقاً لتحويل اصحابها الى رموز وزعامات، ولن تعطي شاغليها مضموناً وجوهراً يختلف عما يحملون، بل ان المواقع الكبرى تكون مصدر ابراز للخصال السلبية لدى من لا يملكون غيرها. فالسلطة تفتح الباب امام ضعاف النفوس لاشباع اهوائهم وليس لتطوير خصائصهم وجوهرهم.
فالوظائف، مهما بلغت في مكانتها، فانها لا تنتقل بالبعض من مرتبة الموظف. فقد تجد من حملة اهم الالقاب فئات من الموظفين لا تختلف مواصفاتهم عن اي موظف، مع فرق في الشكليات؛ من توفر السائق، والسيارة ذات النمرة الحمراء، وحضور اجتماعات كثيرة، وسفر ودعوات للغداء والعشاء. اما الاجندات والهموم والامال، وما يغضب او يرضي، فهي بمواصفات عادية جداً.
وقد يفاجأ الناس والمتابعون احياناً بممارسات وسلوكيات ممن شغلوا مواقع متقدمة، ويصابون بالدهشة، وهذا يعود الى توقعات عالية، انسجاماً مع المثل العثماني القديم "فكرنا الباشا باشا، طلع الباشا زلمة!". فاللقب لا يمنح لصاحبه جوهره، إلا اذا كان لدى القادم الى الموقع مقومات في بنيته الثقافية والعامة، ولا نقصد بهذا المؤهل العلمي فقط، بل المؤهل الاجتماعي. ولهذا، فإن البعض لا يجد نفسه الا في الوظيفة، وعندما يخرج من موقعه يفقد الكثير من قيمته الشرائية، ويخوض كثيرا للعودة الى وظيفة، حتى وان كانت ادنى مما كان عليه. وما بين الاستدعاءات، والعزائم، والولائم، والواسطات، ومقالات المديح، وقصائد الشعر في الصحف والمجالس، يحاول الحصول على الوظيفة مرة اخرى. واذا ما فشل في تحقيق مراده، انقلب على شعره ومقالاته ومدائحه، وندم على ما انفق في الولائم. لكن الشعور الاخطر، ان يرى في جلوسه في البيت، او عدم تأمين مطالبه الاخرى، جحوداً من الوطن، ونكراناً للجميل.
وتزايد منسوب الموظفين في المواقع الكبرى، يفقدها هيبتها وقيمتها وتأثيرها. فاصحاب مواصفات الزعامة والمواصفات القيادية يعطون هيبة ومكانة للحكومات والدول، وانخفاض مستوى المواصفات يفسر تغير نظرة الناس للمواقع واصحابها. ونجد في مجتمعنا اشخاصاً بلا مواقع، لكن حضورهم وتأثيرهم وموقعهم في نفوس الناس يفوق اصحاب الالقاب والنمر الحمراء.
والقصة الاساسية ليست في اسس التعيين والاختيار، من الناحية الادارية والاكاديمية، بل في تلك الاسس الاجتماعية والسياسية والثقافية. فالوزير والسفير والامين والنائب والعين، وكل الفئات الهامة، هم اذرعة الدولة، وصمامات الامان فيها. وهم جسر التواصل مع الناس. كما انهم احد معايير تمثيل الحكومات للناس.
لم تعد مفاجآت ان تشهد ساحاتنا نماذج مدهشة من مواقف اصحاب المواقع السابقة، ولم يعد مبرراً ان نستغرب تحول القصص الشخصية الى هموم وطنية، وقضايا كبرى، فهذه ضريبة وثمن لأسس اختيار غير مكتملة. لكن ذاكرة الناس، ومسيرة اية دولة، تتجاوز الكثير من الاسماء، بل معظم الاسماء التي تأتي الى المواقع وتذهب، تماماً مثلما يجلس احدنا على مقعد طائرة او باص ويغادر. لكن هذه الذاكرة تحمل اسماء من تركوا بصمات، وحملوا مواصفات قيادية، ومضامين حقيقية. فكم رئيس حكومة مر على الاردن يذكره الناس؟ وكم وزيرا اقسم يميناً وغاب في دهاليز النسيان؟ وكم نائباً دخل المجلس لكن كم هم الذين بقوا في ذاكرة الاردنيين؟ ليس من بين هؤلاء اصحاب المعارك الوهمية، والاجندات المحدودة، او ممن جاءوا الى مواقعهم في غفلة من الزمن، او لأخذ رزق كتبه الله لهم، وليس لكفاءة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة