في كل بلد او مجتمع هنالك مجموعة من التراثيات، من العادات والتقاليد أو الآثار والتاريخ، وتكون عنوانا من عناوين التسويق السياحي، والبرامج الاعلامية. لكن هذا يفترض ان يكون هناك تناسق بين احترام هذه الامور والحفاظ على مكانتها الحقيقية، وبين استثمارها سياحيا واعلاميا.
في بلادنا هناك امر يثير الاستفزاز، وندعو الى التوقف عنه، ويتمثل في تكوين صورة نمطية سلبية للباس الاردني الريفي او البدوي، بحيث اصبح ارتداء هذا اللباس، الممتد في اصالة المجتمع وتاريخه، رديفا لعمليات فتح ابواب السيارات على ابواب الفنادق الكبرى، او فتح ابواب الفندق للداخلين اليه، سواء أكانوا ضيوفا او "معازيب". ويتعدد حضور هذا الزي التراثي في صورة من يمارسون "صب القهوة" السادة في المطاعم والفنادق، او حتى في المؤسسات الرسمية الكبرى، التي تعبر عن حرصها على "الهوية الوطنية الاردنية"، عبر توظيف شخص بلباس البادية والريف والشماغ الاحمر والشبرية، لكن متطلبات الوظيفة ان يكون مسؤولا عن "دلة القهوة"، وكأن مهمة "السفرجي" الخاص بالقهوة السادة لا تستقيم الا مع اللباس العربي والشماغ.
وفي زمن الحداثة، والانترنت، والاصلاح بأشكاله، وحكومة الديجتال الناطقة باللغة الانجليزية، يتم اختزال بعض مظاهر هوية المجتمع وتراثياته في مهمة "صب القهوة السادة". ويضاف الى هذه المهنة اكسسوارات العمل، التي تعني ان يقف صاحب هذا اللباس يرسل التحيات للجالسين في المطعم ممن اصابهم خيره من القهوة، بانتظار ان يحصل على "بخشيش" من بضع عشرات من القروش او دينار، اذا حصل هذا اللباس على اعجاب الناظرين اليه.
هذا اللباس، الذي يريده البعض "ملابس مهنية" لصبابي القهوة، كان وما زال عنوانا لمنظومة رجولة وكرم واخلاق وشجاعة، وكان يلبسه "الشيوخ" من الرجال. فالشبرية والشماغ ليست اكسسوارات لمهنة خدمات في المطاعم والفنادق ورئاسة الحكومة، كما هي اكسسوارات فنانة او فنان، بل هي عناوين لهوية تراثية واجتماعية.
قد يكون الحديث عن هذا الامر جزئيا امام محاولات تفتيت الهوية العامة للمجتمع، سواء في اخلاقياته او انتمائه الحضاري، او الاستهداف السياسي الذي يأتي على شكل عناوين اصلاح اداري، او اساءة لمؤسسات القطاع العام التي قدمت الكثير للبناء في هذا الوطن، او عبر عمليات التغريب او الاستشراق للاولويات، او تصوير القوى الاجتماعية، من عشائر وممثليها، باعتبارهم نقيضا للاصلاح والتطور، وكأن رموز الاصلاح يجب ان يكونوا من طينة سياسية وثقافية معينة.
نتمنى ان يختفي من مجتمعنا، ومؤسساتنا، ومطاعمنا، وفنادقنا، وحتى الدوائر الحكومية الكبرى، مشهد اللباس البدوي الاردني باعتباره ممثلا شرعيا ووحيدا لصب القهوة السادة. ونقترح الغاء وجود هذه القهوة، اذا كانت هي ما تبقى من الهوية الاجتماعية. ولا بأس بأن يتم استبدالها بالقهوة الاميركية، وبشباب يلبسون لباسا عصريا، بدلا من حالة الاستفزاز الاجتماعي في مشهد القهوة السادة والشبرية والشماغ واللباس العربي الذي نقدمه للسياح حتى يفرحوا بنا، او لرواد المطاعم ليمنحوا مرتديه "عدة برايز".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة