عدوان أميركي جديد كشفت عنه الاخبار القادمة، إن صحت وكانت دقيقة، من معتقل غوانتنامو، تمثل في قيام جنود اميركيين بتدنيس القرآن الكريم، ووضعه في دورات المياه، نكاية بالمعتقلين المسلمين، الذين اصبحوا زبائن هذا المعتقل.
وهذا التدنيس لكتاب الله، إن ثبت، لن يكون عملاً فردياً او سلوكاً شاذاً من شخص، بل هو جزء من نهج في ادارة الولايات المتحدة في حربها التي يحاول البعض اعطاءها طابعاً سياسياً، واخفاء طابعها الحضاري، الذي لا يمكن الا ان يكون بسبب التكوين العقائدي المتطرف لما يسمى بالمحافظين الجديد، المسيطرين على مفاتيح القرار الاميركي، والمتحالفين مع التطرف الصهيوني المتمثل في حكومة شارون.
قضية تدنيس القرآن من قبل الجنود الاميركيين، لا تختلف في جوهرها عن عمليات التعذيب والاساءة التي شهدها سجن ابو غريب في العراق، والتي حاولت ادارة واشنطن تقديمها باعتبارها سلوكاً شاذاً لمجندة او جندي. لكن الحقيقة ان كل ما يجري ليس حالات فردية، بل افرازات طبيعية لحالة عدوانية، تمارس من قبل الادارة الاميركية نحو شعوب ودول ضعيفة. فمن يعطي لنفسه الحق في الاحتلال والقتل، والسيطرة على مقدرات دولة، وانتهاك سيادتها، يمكنه بسهولة ان يمارس التعذيب بحق سجناء، او ان يعبر عن احقاده بالاساءة الى القرآن الكريم، الذي ليس كتاباً مقدساً لدى طالبان او القاعدة، بل لدى كل المسلمين في العالم.
وعبثاً تحاول الادارة الاميركية تحسين صورتها لدى الشعوب العربية والاسلامية. فكل حديث عن الاصلاح والديمقراطية وحقوق الانسان يتحول الى رغوة سياسية امام الاحتلال، والقتل، والاساءة الى القرآن الكريم. وربما وجدت الادارة الاميركية اجابة عن السؤال غير المنطقي، عن سبب كراهية الشعوب للسياسة الاميركية. فليس هنالك انسان سوي يمكن ان يحب قاتله، او مصدر القتل والانتهاك لمجتمعه. حتى لو وجدت اميركا بعض النخب التي تحاول استغلال الاجواء للحصول على مكاسب، فإن هذا لا يغير من جوهر الامر شيئاً؛ فهؤلاء ليسوا معبرين عن موقف الناس وعواطفهم.
الادارة الاميركية بارتكابها هذه الافعال والسياسات العدوانية، من احتلال وتعذيب، تكتسب بامتياز صناعة الارهاب والتطرف. فالعدوان تطرف، وانتهاك حقوق الشعوب تطرف، وتدنيس المقدسات تطرف. وتتضاءل امام هذا التطرف الدولي افعال تطرف رمزية؛ مثل تفجير الشوارع والمجمعات التجارية، او قتل المدنيين. وكلما اوغلت واشنطن في تطرفها وعدوانها، اعطت شرعية للتطرف الاخر. بل ان ذهاب اميركا بعيداً في تطرفها يكون على حساب الخطاب العربي والاسلامي المعتدل، فاي تطرف اكبر من احتلال بلد عربي، وقتل (100) الف من مواطنيه على الأقل، في حرب ظالمة، وانتهاك حقوق الانسان في المعتقلات، واخيراً الاستخفاف بالقرآن الكريم، الذي هو مرجع للمتطرفين والمعتدلين المسلمين على حد سواء؟!
في مقياس الاسلام، فإن الانسان هو القيمة الأغلى. وبهذا كان التوجيه النبوي، بقوله عليه السلام: "لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً اهون على الله من سفك دم امرئ مسلم". فالقيمة الاولى للانسان، وهو اول المقدسات. وما تفعله السياسة الأميركية مع امتنا انها تنتهك كل يوم هذه القيمة الاسلامية والانسانية المقدسة، وهي الإنسان.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة