ستكون محافظة الطفيلة غداً اولى محطات مبادرة ايجابية يقودها وزير التنمية الاجتماعية، ويرافقه فيها عدد كبير من طاقم وزارته في عمان، ومعهم عدد من السادة الوزراء.
واختيار الطفيلة يأتي كنوع من المجاملة لاحدى المحافظات المنسية من التشكيل الوزاري، وهو اختيار ينم عن ذكاء مشروع، تحاول الحكومة ممارسته كرد على ما يواجهها. لكن هذا لا يفقد هذه المبادرة جوهرها الإيجابي، الذي يحقق أحد شروط الحكومة الناجحة، وهو التواصل والوصول الى الاردنيين، والخروج من مكاتب عمان وصخبها السياسي. وهذه المبادرة، يقول اصحابها انها ستخرج عن النمط التقليدي لزيارات المسؤولين الى المحافظات، حيث القاعات المزينة باليافطات، وصفين من "الكنبات" المخصصة للوجهاء وكبار مسؤولي المحافظة، بينما على بقية الحضور الجلوس على كراسي البلاستيك. وتتناثر احاديث المسؤولين المغطاة بالجلاتين، وينظر معظم الحضور من الرسميين الى ساعاتهم، بانتظار موعد الغداء والعودة الى بيوتهم. فمثل هذا النمط ليس عملاً ميدانياً، بل نقل للرتابة من عمان الى المحافظات، ومصاريف اضافية على المحافظة والبلدية. 
ما هو منتظر من مبادرة وزير التنمية الاجتماعية والفريق الوزاري المرافق، ان تأتي لاستقبال معاملات عامة الناس الخاصة بالوزارة. فبدلاً من ان يتكبد المواطن عناء السفر من محافظته الى عمان، لمراجعة وزارة التنمية او صندوق المعونة في اي معاملة خاصة، لحاجة فردية او لجمعيات، فان الوزير وطاقمه سيجلسون لاستقبال معاملات الناس، والاستماع الى شكواهم، وحل المشكلات، واي معاملة تحتاج الى وقت او تدقيق فإن المواطن سيستلم بعد ايام رسالة من وزارة التنمية، تتضمن اجابة على شكواه او مطلبه. واذا ما تحقق هذا المفهوم، فإن الزيارات الميدانية ستأخذ اشكالاً مفيدة وعملية، وستقدم خدمة للمواطن.
ولعل قيمة مثل هذه السياسات في التواصل انها تقدم خدمة للحكومة، وتقدمها للاردنيين بدلاً من ان تكون حكومة عمان. وتطوير وسائل التواصل يحقق عملية احترام من الحكومة للمواطن. فقد عملت حكومات متعاقبة على تحويل المواطن الى كمية من الشقاء عند مراجعته لاي وزارة، وعليه ان يتحمل الطرد الدبلوماسي، او المباشر، على ابواب الوزراء والمديرين، وهو يحمل طلبا او معاملة او فقراً وحاجة، ليست في نظر المسؤول اكثر من عبء في التعامل مع مواطن يتحدث بلهجته القروية او البدوية، ويرى حقا له عند الحكومة، إذ لم يسمع بعد بحالة التنصل الحكومي من الرعاية، تحت عنوان الخصخصة، وتقليص دور القطاع العام.
حين ندعو الحكومات الى ان تضم وزراء ممتدين في فقر الناس ومشكلاتهم، وتركيبة نفس الاردني، فان هذا احد ضمانات قوة الحكومة. فالوزير الذي يعرف ما معنى ان يأتي مواطن من البادية، او عجلون، او الغور، او الطفيلة، الى عمان، وما يتكبده من عنت ومشقة ومصروف، هذا الوزير او المدير يتقن احترام هذا الاردني، ويكون حريصاً على الاهتمام بمشكلاته، او احالتها الى من يساعده، وهو ما لا يتوفر في مسؤولين يعتبرون الفقر حكاية مأساوية يسمعون عنها، ويتهربون من لقاء الناس لانهم يشعرون بالاغتراب عن المواطن، ولا يملكون القدرة على التواصل مع مشكلاته. صحيح ان الوزير لا يستطيع مقابلة كل المراجعين، لكنه يستطيع احترامهم، وتوفير الآلية لاحترام فقرهم ومشكلاتهم. الطفيلة اولى محطات الانتقال الى المواطن في زيارات خالية من الشكليات، وستتبعها زيارات لكل المحافظات.
من حق هذه المبادرة ان تأخذ فرصتها في النجاح، بخاصة وهي تحظى بالجدية من اصحابها. لكن ما نتمناه ان لا تكون "جمعة مشمشية"، وان لا تكون للمرة الاولى والاخيرة. ونتمنى على الحكومة ان لا يرافق طاقمها "كراتين" المساعدات، و"تنك" الزيت، والسمنة، والطحين. وهذا لا يعني ان لا يصل للفقراء ما يحتاجون، لكننا نتمنى ان تتوقف عمليات التوزيع غير المقبولة، حيث على الفقير ان يخضع للتصوير التلفزيوني او الفوتوغرافي حين يحمل شوال الطحين، او تنكة الزيت، او علبة الحليب؛ فالفقر مشكلة تحتاج إلى حل، والفقراء ليسوا مادة للتصوير واظهار عطف وحنان المسؤولين، وبراعة المصورين.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة