فكر سليم وتوجه ايجابي ان تمتلك الدولة تصورات او استراتيجيات ورؤى لادارة الملفات الكبرى، السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، وان تنتقل من مرحلة البرنامج الوزاري الفردي لكل حكومة، الى مسار دولة عام، يوجه مسار الحكومات، ويعزز حالة البناء التراكمي، ويخلص البلاد والعباد من سلبيات التغيير للاشخاص والمواقع.
وهذا الامر ينطبق على فكرة الاجندة الوطنية، التي اصبحنا على بعد اسابيع من بلورة مخرجات عمل لجنتها، وهي مخرجات تتحدث الحكومة الجديدة عن انتظارها لها، لتشكل البرنامج الحقيقي لعملها. وكل هذا لا غبار عليه، لكن من الضروري ان نضع بين اعيننا جملة من المعطيات، التي تجنبنا الوصول الى تحويل مخرجات لجنة الاجندة الى قضايا خلافية، وبخاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية.
واولى هذه المعطيات، ان اللجنة لا تمثل حالة توافق سياسي. فاعضاؤها اما جاءوا بصفتهم الوظيفية او الشخصية، كما ان نسبة منهم ليسوا من حملة صفة الخبراء في القضايا الفنية او السياسية. ولهذا، فان انتاج اللجنة من القوانين السياسية، مثل قوانين الاحزاب او الانتخابات، لن يكون انتاجا مقدرا من الناحية السياسية، ويفترض ان يتم النظر الى هذه المعطيات باعتبارها "اقتراحات"، وليست امرا ملزما للسلطات المنصوص عليها في الدستور. وقيمتها الحقيقية عندما يتم اقرارها من قبل السلطة التشريعية. ولا تختلف مخرجات اللجنة عن ما أفرزته لجان سابقة، مثل لجنة الميثاق، او لجان "الاردن اولا"، التي كانت لجانا ملكية، لكن هذا لم يعطها مكانة دستورية، او حصانة لانتاجها.
وثاني المعطيات، ان لا يذهب بعضنا، في الحكومة او اللجنة، بعيدا في المبالغة والتضخيم لدور اللجنة ونتائج عملها. فاللجنة ليست عملا خارقا للعادة، او انها ستحمل الحلول السحرية لمشكلاتنا في قضايا الطاقة، او التعليم، او الصحة، او العمل السياسي، بل يجب أن يكون خطاب تسويق اللجنة وانتاجها موضوعيا، لا يكرر تجارب الاغراق في التفاؤل والأمنيات التي لم تزد الناس الا احباطا.
يضاف الى هذا ان صياغة اجندة وطنية للعديد من القضايا الكبرى، وتحويلها الى برنامج عمل متواصل للحكومات، لا يقلل من قيمة ودور الحكومات كسلطة تنفيذية. فالاجندة الجيدة تحتاج الى حكومات جيدة في كفاءتها واسس تشكيلها. واذا تم استكمال مسيرة الاسس غير الموضوعية في تعبئة الشواغر الهامة في الفرق الوزارية والمواقع الكبرى، فان اي اجندة، حتى وان كانت مثالية، ستتحول الى ورق غير قابل للتنفيذ، او يتم تنفيذ بعضه بشكل جزئي ومشوه، وبشكل لا يخدم احدا.
الاتجاه نحو التفكير الاستراتيجي خطوة ايجابية للدولة، لكن الاستراتيجيات يضعها استراتيجيون وسياسيون وفنيون، من اصحاب الكفاءة المتميزة، وتحتاج الى طواقم حكومية جادة وقوية للتنفيذ. فنحن في الاردن لا تنقصنا اوراق او توصيات، فلدينا نتائج خلوات الحكومات، وخلوات المجالس الاستشارية الاقتصادية، ولجان "الاردن اولا"، وبرامج الحكومات وبياناتها، وخطابات النواب، وما تقدمه الاحزاب وورشات العمل والندوات والاعلام، وكل هذا يكفي لبناء دولة بحجم الولايات المتحدة. لكن المعيار أشياء اخرى، ننتظر ان تتوفر في القادم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة صحافة جريدة الغد سميح المعايطة