فرصة غير سعيدة ان يبتلي الله تعالى احد القريبين منك بمرض يلزمه البقاء في المستشفى عدة ايام، لكن حدوث هذا القدر يكون فرصة احيانا ليتوقف احدنا عند قضايا قد تغيب عن البال، ومنها المستشفيات العسكرية التابعة للخدمات الطبية الملكية، التي يرتادها الكثيرون، مرضى او زوار. ولعل القرب المكاني من احدها، وهو مستشفى الزرقاء، او كما نسميه نحن اهل الزرقاء "مستشفى التضميد"، يجعلنا نشعر بأي فرق او تطور في طريقة الادارة او الخدمات او طريقة التعامل مع الزوار والمرضى، او ما نشاهده من عمليات توسعة، تكفل احتواء المرضى المتزايدين بحكم النمو السكاني.
  ما اريد الحديث عنه ليس خدمات هذا المستشفى، الذي هو نموذج مصغر امام مدينة الحسين الطبية، والتي هي احدى معالم الطب في الاردن، لكن الجانب الاهم ان فكرة التأمين الصحي لمنتسبي القوات المسلحة والاجهزة الامنية، العاملين والمتقاعدين وعائلاتهم وورثتهم، هي من اكثر السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية اهمية عبر عقود الدولة الاردنية. فهذا التأمين المجاني يقدم لطبقة اجتماعية من اصحاب الدخل المحدود، وربما المحدود جدا. والاهم، انه متوفر في معظم المحافظات او جميعها، وهذه الطبقة من الفقراء او الطبقة المتوسطة، قد تصل الى نسبة كبيرة من الشعب الاردني، بخاصة وانها تشمل اجيالا عملت وتقاعدت، وربما توفاها الله تعالى، لكن الخدمة توفر لعائلاتها. وربما تزداد الحاجة الى مثل هذا التأمين عندما يصل الانسان الى سن متقدمة, حيث التقاعد الذي قد لا يكفي للطعام والشراب. ومع امراض الشيخوخة والحاجة المتكررة للذهاب الى المستشفى، وادوية الامراض المزمنة، يكون هذا التأمين اكثر اهمية من الراتب الشهري.
  وامام هذه الشبكة المحكمة من الامن والامان الاجتماعي لهذه الفئات الواسعة من المجتمع الاردني، نشعر بمحدودية تفكير بعض السياسات الاقتصادية التي تتحدث عن امن اجتماعي، عبر كوبون للخبز او السكر، مقابل رفع اسعار هذه المواد، او عن صندوق لدعم الطلبة المحتاجين مقابل رفع رسوم الجامعات الى حدود رسوم الجامعات الخاصة، او عن سياسات يعتقد الجيل الجديد من السياسيين والاقتصاديين انه يقدم من خلالها اختراعا لحماية الاردنيين من الفقر وآثاره.
  وتشعر احيانا بسطحية بعض الرؤى والاستراتيجيات التي تدعو لتقزيم دور الدولة في تقديم الخدمة والعون للناس. فهؤلاء يعتقد احدهم انه في الولايات المتحدة او السويد، لكنه معذور؛ لانه لا علاقة له بالناس وفقرهم! فماذا يفعل متقاعد يتقاضى 130 دينارا، او ورثته الذين يتقاضون مبلغا مماثلا او اقل منه، او زوجة لمتقاعد تتقاضى 35 دينارا راتبا شهريا اذا كان عليها ان تكفل لنفسها علاجا قد يصل ثمنه الى ضعف هذا الراتب، وهي في شيخوخة تحتاج معها الى الذهاب الى المستشفى عدة مرات شهريا؟! فأي تنظير اقتصادي قادر على حل مشكلات هذه الطبقات الواسعة، الا اذا كان الخيار تحويل الناس الى زبائن دائمين لصندوق المعونة، ولجان الزكاة، وابواب الجمعيات الخيرية!
  واخيرا، فان الحاجة تبدو ماسة لان تؤمن الحكومات، عبر المنح وبرامج التحول، مخصصات اكبر للمستشفيات العسكرية، التي تقدم خدمات كبيرة لفئات واسعة. وهذا المال لزيادة المتاح من الادوية، والتوسع في المباني. فالقطاع الطبي العسكري متميز بطواقمه الطبية والادارية، لكن زيادة الاموال للتطوير اكثر اهمية مما ينفق على مشاريع لا تقدم شيئا في بناء بنية تحتية حقيقية للامان الاجتماعي الحقيقي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة