كثير من المتابعين وأهل الاختصاص في مسائل الشرق الاوسط يميلون إلى تحليل العداء بين إسرائيل وإيران في سياق القلق من البرنامج النووي الإيراني ودعم إيران إلى جماعات عسكرية وسياسية تناهض إسرائيل، ويبدو الأمر وكأنه إذا ما حلت هذه القضايا فإن الأمور بين الطرفين ستكون في وضع اقل توترا مما هي عليه الآن. مثل هذا التحليل يبدو فيه بعض السذاجة وربما افتقار إلى المعرفة أعمق بالطرفين أو على الأقل بأحدهما.
لقد ارتبط البلدان بعلاقات تعتبر إلى حد كبير متميزة طوال عقود تلت تأسيس الدولة العبرية، ويبدو أن كلا الطرفين كانا يجدان في تقاربهما تعزيزا لأمنهما واستقرارهما في منطقة ذات أغلبية عربية، ولعل هذه الاستراتيجية كانت وراء تعزيز البلدين علاقاتهما مع تركيا الدولة الثالثة فيما اسميه بمحور الشرق الأوسط غير العربي. إن التطورات التي تبعت الثورة الإسلامية في إيران لعبت دورا كبيرا في تغيير خط سير هذه العلاقات، لكنه لا يبدو لي أن الأمر مرتبط فقط بالمواقف التي يتبناها كل طرف بحق الطرف الآخر، بل إن الأمر يذهب إلى أبعد من ذلك. إن التوتر الذي يسود بالنسبة لنظرة كل طرف للآخر مرتبط بالأساس بمسألة الوجود والديمومة التي يشعر كل طرف أن الطرف الآخر يهددها (وهنا اعني النظام السياسي). لقد لمست في احد المؤتمرات، التي كنت أحضر، أن الإيرانيين والإسرائيليين يشعرون ان المسألة الكبرى التي تقلقهما مسألة التهديد الوجودي التي يتسبب بها احد الطرفين للآخر، وأنه بزوال هذا المسألة فلا يبدو أن هناك مبررا للعداء، هذا لا يعني بالضرورة علاقات عادية، لكن على الأقل ستتراجع مستويات القلق بين البلدين وهنا ربما يبدو من المشروع التذكير بالحالة الباكستانية وهي الدولة الإسلامية النووية والتي لا يبدو أن إسرائيل ترى فيها تهديدا على وجودها يستدعي حالة التجييش التي تقوم بها ضد إيران.
إن الاستخدام المتكرر من بعض القادة العسكريين والسياسيين من كلا الطرفين لفكرة المحرقة، والتي تأتي من جانب إيران على شكل تهديد بأن إيران ستحرق نصف إسرائيل إن هي تعرضت لهجوم، وكذلك الحديث من الجانب الإسرائيلي بأن الدولة العبرية لن تسمح بأن تتكرر المحرقة. إن الاستمرار في تكرار الحديث عن هذا الأمر يعكس حالة العداء بين الطرفين والى أي مدى يمكن أن تصل هذه الحالة، من هنا يجب عدم التقليل من شأن تأثير تلك التصريحات المتبادلة في تسخين الأجواء السياسية بين الطرفين بل وإقليميا.
لقد كانت إسرائيل ترى في اللاعبين الشرق أوسطيين غير العرب نوعا من الأهل للتحالف والعمل كنوع من تحقيق نوع من الامتداد الإقليمي ولا يبدو أن ذلك يتغير حتى مع توقيع اتفاقيات سلام مع الفلسطينيين والدول العربية. لقد استطاعت إسرائيل أن تؤمن الكثير من مصالحها لا سيما في توفير مصادر الطاقة من إيران حينما أوقف العرب تصدير النفط في أوائل السبعينيات. إن القلق المترتب على البرنامج النووي الإيراني بالنسبة إلى إسرائيل لا يكمن في امتلاك إيران، لكنه يتجاوز ذلك لأنه تسبب في أن تفكر دول مجاورة للدولة العبرية في بناء برامج نووية، وهو الأمر الذي كانت إسرائيل تحرص أن لا يحدث. إن نظرية "تفوق القدرة الإسرائيلية" لا ترغب الدولة العبرية أن تتغير، لكن التطورات التي تحيط بالبرنامج النووي الإيراني يبدو أنها لن تمر بلا أثر.
إن الحديث الإسرائيلي، والذي يتماشى من التقديرات الأخرى على أن عام 2010 يبدو مفصليا في تطوير البرنامج النووي الإيراني، ربما يخبر عن فتح فصل جديد في تطور الملف النووي الإيراني، صفحة يبدو أن التصعيد الكلامي سيكون هو الافتتاحية، لكنه سيتبع بصفحات من التصعيد من خلال تفعيل قرار العقوبات 1803، والذي بدوره يحض على فرض مزيد من العقوبات. في هذا السياق ينبغي التساؤل عن الرد الإيراني إذا ما كان هناك قرار عقوبات جديد، وماذا إذا ما انسحبت إيران من معاهدة منع حظر الأسلحة النووية وأغلقت منشآتها النووية أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ أسئلة تبدو مقلقة للأميركيين والأوروبيين، لكنها ستكون أكثر إثارة للقلق للطرف الإسرائيلي، الذي سيتعمق لديه الشعور بالقلق على وجوده في ظل وجود برنامج نووي إيراني خلف الجدران!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محجوب الزويري جريدة الغد