اهمية سياسية كبيرة لمذكرة النواب الحاجبين للثقة، كما تسمى، حتى وان كان بعضهم يعلن ان التوقيع لا يعني الحجب. وهي خطوة سياسية نوعية في اداء مجموعات نيابية تعتبرها الحكومات "في الجيبة". لكن هذا التوقيع السياسي يجب ان يرافقه موقف نيابي واضح من مسألة توسيع الامتيازات للسادة النواب، وقد يكون هذا الموقف صعبا على البعض اكثر من معارضة الحكومة.
فالامتيازات، وآخرها السيارات الوظيفية التي سيتم شراؤها للنواب من مال الخزينة دون مبرر، وبكلفة تصل الى عدة ملايين، هذه الامتيازات تلامس الهوى والمصلحة الشخصية. ولهذا، فإننا نجد حتى الان 20 نائباً فقط يعلنون موقفاً صريحاً وواضحاً برفض استلام هذه السيارات، ودعوة الحكومة الى الاستفادة من هذه الملايين فيما يخدم الناس.
والقصة ليست في سيارة من موديل هذا العام تصل كلفتها الى 18 ألف دينار فقط لا غير، بل في نهج التفكير لدى رئاسة المجلس واغلبية السادة النواب، والتي لا تختلف عن عقلية اي مسؤول في السلطة التنفيذية يمارس البذخ. وهذه العقلية تعني انه لو اتيح للسادة النواب مسارات اخرى للبذخ وتوسيع الامتيازات لما رفضوا، ولذهبوا اليها مسرعين، معتقدين ان مجرد التباكي او التعاطف مع فقر الناس وهمومهم امر يكفي، دون ان ينبني على هذا اي موقف يلزم النواب بترشيد نفقاتهم وعدم هدر اي دينار من مال الخزينة دون وجه حق.
والقصة لم تبدأ عند السيارات، فهنالك مجالات عديدة مارست فيها رئاسة المجلس والنواب مصاريف لا حاجة لها. ومن ذلك الوفود البرلمانية الكثيرة والكثيفة، حتى ان بعضها يصل الى حجم جاهة العروس. والامر لا يحتاج الى ذكاء من الناس؛ فكثرة عدد كل وفد، والسفر المتواصل يعني نفقات وسياحة ومياومات وتذاكر وتكاليف اقامة، وكل هذا من مال الدولة، ومن الاموال التي يدفعها الفقير ضريبة مبيعات على حليب الاطفال واقلام الرصاص والزعتر، والسعر غير المدعوم لمواد اساسية.
ويتذكر الناس حكاية الحج النيابي الذي كاد ان يكون على حساب الخزينة او اموال الاردنيين، لولا ان عاد الاشقاء في السعودية ورحبوا بالوفد النيابي على حساب الاشقاء، لكن السادة النواب لم يترددوا في الموافقة على سفر للحج على حساب مال الدولة، وكأن الله تعالى يلزم من لا يستطيع بأداء هذه الفريضة، فكيف بمن يستطيع ان يذهب من ماله لكنه لا يمانع باخذ مال عام لاداء فريضة وعبادة؟!
ان قضية الامتيازات، ومعيارها الاخير السيارات الفاخرة والحديثة والمكلفة على حساب الخزينة، احد معايير الحكم الشعبي على حقيقة مواقف السادة النواب، ومصداقية نظرتهم الى التقشف ووقف الهدر الذي يطالبون به الحكومات. فمن لا يتردد في هدر ثمن سيارة ليركبها وهو ليس بحاجة لها، وبخاصة في ظل فقر الناس ومشاكلنا الاقتصادية، لن يتردد عن انفاق غير مبرر، بغض النظر ان كان اكبر من هذا او اقل.
مذكرة حجب الثقة عمل سياسي، لكن الموقف من توسيع الامتيازات عمل سياسي وشعبي. واذا كان الرفض من قبل 20 نائباً فقط، اختاروا ان لا يكلفوا الخزينة نفقات اضافية، فإن مواقف البقية ليست في صالح اداء نيابي معقول.
واخيراً، فإن هروب بعض القوى من مواجهة الملف السياسي للحكومة الى مذكرة رفض السيارات لا يكفي. فرفض السيارات، على ضرورته، ليس بديلاً عن موقف سياسي اكثر اهمية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة