مع التقدير للنوايا الحسنة فإننا في كل عام، وفي مثل هذا الوقت، نكرر في اعلانات تلفزيونية وصحفية مصطلحا يبعث على الاستفزاز، يتعلق بتكريم ابناء وعائلات الشهداء من ابناء الجيش والامن العام، إذ يدعو الاعلان هذه الفئات الى استلام "اكرامياتهم".
وهذا المصطلح (الاكرامية) في المتداول من لغة الناس لا يليق بهذه الفئات التي قدمت الاب او الابن او الاخ شهيدا، دفاعا عن الاردن والاردنيين. فالاكرامية تصرف لعامل فوق أجره في ورشة، او لسائق باص قاد حافلته في رحلة نزهة او رحلة عمرة او حج فوق أجرته. انها في الاستعمال الدارج اقرب الى البخشيش. ولعل أهل العلم في هذه المؤسسات الكريمة قادرون على البحث عن مصطلح يليق بهذه الفئات، التي تمثل اكرم خلق الله، وهم الشهداء.
وفي ذات الاعلانات، يطلب من هؤلاء مراجعة المراكز الامنية لاستلام هذه الاكراميات! فهل على ابن الشهيد او زوجته او ابيه او امه ان يذهبوا الى المخفر لاستلام مغلف به المبلغ او الشيك؟!
ولعل من واجبنا جميعا، في كل مؤسسات الدولة، ان لا نكل او نتقاعس عن اكرام هذه الفئات الاردنية الاصيلة. ولهذا، فلا عذر او شغل يمنع كل هيئة او جهة لها شهداء ان تنظم احتفالا سنويا كريما يحظى بكل رعاية واهتمام لهذه العائلات الاردنية. فمن أَولى من أسر الشهداء وعائلاتهم من أن تنظم احتفالات لتكريمهم والكرماء الذين اعطوا للاردن ارواحهم، مع ان في بلادنا تكريم واحتفالات لا تنقطع لمن لم يقدموا جزءا يسيرا من كرم الشهداء وصبر اهلهم.
وحتى لو اعتقد البعض ان مشقة تلحق بهذه العائلات لو تم تنظيم احتفال في عمان، فإن هذا اعتقاد غير سليم. فعندما يتم تأمين نقل هؤلاء الى مكان الاحتفال، ومعاملتهم بما يليق بهم، مع دعوة على غداء او عشاء قيمتها ليست في الطعام بل في دلالتها، بحيث تشعر أسر الشهداء انها محل عناية لا تنقطع. فحتى لو كانت هذه العائلات تحتاج الى "الاكرامية" السنوية، فإن حاجتها للتقدير والاهتمام اكبر بكثير.
ان الحد الادنى من التكريم للشهداء ان لا ينقطع تكريم عائلاتهم وورثتهم، خاصة وان جميعهم من أسر متوسطة او فقيرة. واقل واجب تقوم به الدولة ان تكون متابعة لاحوال هذه الاسر، من حيث التعليم ونفقات العيش وفرص العمل لابنائهم وبناتهم. فما قد يعطى لاسرة شهيد طوال حياتها قد لا يصل الى ثمن سيارة نائب، او تكلفة رحلة وفد حكومي، او نصف تجديد اثاث مكتب وزير.
انه المعيار الاهم في اداء اية دولة ان توجه رعايتها دائما لمن يقدمون اغلى ما عندهم لاوطانهم، لكن معادلات السوق التي تحكم العالم تجعل هؤلاء اقل الفئات أخذا، اما فرسان السوق السياسي والاقتصادي والعلاقات، فهم من يقدمون ويقدم لهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة