موضة الدعوة للاصلاح، الذي تتحدث عنه الحكومات والمعارضة واميركا والندوات والفضائيات، ويطالب به الصالحون ونقيضهم، هذه الموضة شكلت حالة مكتظة من الكلام الذي يريده كل طرف على طريقته ووفق مصالحه. وهنالك اختزال تمارسه بعض النخب والاحزاب، لتختصر الاصلاح في مطالبها، او ما وصلت اليه مداركها من مصالح من الاصلاح.
لكن الطريف مثلاً، ان يقدم البعض نفسه منظراً وداعية للاصلاح وانقاذ الوطن، بينما يعتمد سياسات غير اصلاحية في تكوين شبكات علاقات، مع تمرير المصالح، او فتح واغلاق "حنفية" المال العام. واخرون يروجون لنعيم الاصلاح ولا يجدون حرجا ان يحمل "اصلاحهم" الابن وابن الاخ وزيراً، لا لتميز في الاداء، بل في شبكة العلاقات!
انه اصلاح انتقائي تستغرق في مصطلحاته ومقالاته وكواليسه، او استجلاب الضغط الخارجي، الذين يمكن ان يؤمن لهم مقاعد في امتيازات ومخرجات الاصلاح، لان هؤلاء لا يمكنهم المجيء عبر صناديق الاقتراع. فالناس لا تعرفهم، وامتدادهم لا يتعدى بعض الكواليس.
والقصة ليست هنا، فالاصلاح بلغة عامة الناس والمستهدفة بالاصلاح، يعني شيئاً اخر، لا يمكن اختزاله ببعض القوانين السياسية، على اهميتها. لكن من المفيد ان نذكر ان الاصلاح الذي يطلبه الاردنيون قد يختلف عن اصلاح النخب، او ما تطالب به رايس، وزيرة الخارجية الاميركية. فالاردنيون يريدون اصلاحاً يكفل لهم القدرة على الحصول على حقوقهم، دون الحاجة الى واسطة او جاهة من النواب او الاعيان او الوجهاء.
والناس تريد اصلاحا تقبل من خلاله ان يقف ابناؤها سنوات طويلة على "دور" ديوان الخدمة، لكن بشرط ان لا يأتي ابناء واقارب الاصلاحيين ليقفزوا من مقاعد الدراسة، او ما بعدها بقليل، الى مواقع دبلوماسية، او مستشارين في مؤسسات هامة، او مشاريع وزراء او مدراء عامين، او على الأقل الى وظائف ذات رواتب شاهقة في مخرجات الاصلاح الاقتصادي، من هيئات ومفوضيات.
الاردنيون يريدون اصلاحاً يجعل تلك المناطق البعيدة المظلومة، والمتخمة بمن يسميهم بعض الاصلاحيين اصحاب السلطة في النظام، يجعلها مناطق غير تراثية، يجد فيها الابناء والبنات فرص تعليم عادلة، واماكن للعلاج، وفرصاً للعمل. اي ان تكون مناطق في ذات الفترة الزمنية التي نعيشها، وليست متخلفة عنها سنوات وعقودا.
والناس تريد اصلاحاً تقل فيه كمية الاقوال لمصلحة توفر فرص لاساسيات الحياة، بحيث يملك المواطن فرصة ليخدمه راتبه نصف الشهر على الأقل، لان هذا هو المقياس الاهم بالنسبة للمواطن، الذي لا يتوقف عند ارقام النمو التي تهرب من حياة الناس الحقيقية الى قياس نمو قطاع الاتصالات او الخدمات، وهي قطاعات نخبوية لا تعبر عن حقيقة مستوى معيشة الناس.
ويريد الناس اصلاحاً يفهمون من خلاله اسس تنصيب البعض قادة للمواقع والوزارات والسفارات، وكيف توزع الثروات الادارية، ولماذا تأتي حكومة وتذهب اخرى، ومن يحاسب او يتابع.. وغيرها من القضايا، التي تسمى في الندوات بالشفافية او الحاكمية الرشيدة، لكنها عند التطبيق تغيب، ويظهر للعيان مخرجات لا علاقة لها بأوراق العمل وتنظير الندوات والمنتديات.
ما نقوله ليس اختزالاً للاصلاح السياسي، على اهميته وضرورته. لكن حتى الاصلاح السياسي فإن المفترض فيه ان يحل المشكلات التي تراكمت عبر عقود. كما ان من البدهيات ان لا يأتي بمشكلات اكبر، او ان يكون مدخلاً لمشكلات او مسارات سياسية سلبية، او ان يكون ما يسمى بـ"حصان طروادة"، لتمرير ما لا علاقة له بالاصلاح، وانما يرتبط بترتيبات اقليمية، تهدف الى اعادة صياغة بعض مفاصل الدولة ومعادلاتها.
الاصلاح يتحول الى قضية خلافية ومصدر ريبة وشك عندما يتحول من عملية لتطوير الواقع الى اداة سياسية تثير الشكوك، وبشكل اكبر مما نختلف عليه الان حول قوانين انتخابات او اجتماعات او احزاب. فالخلاف الان حول حسابات وتقديرات، لكن الشكوك التي تتناثر في ساحتنا تحول ما يسمى بالاصلاح الى مصدر قلق، بل قد يرى فيه البعض نوعا من المؤامرة على هوية الدولة، بل وربما قضايا الامة المركزية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة